موسيقى الأقليات في سوريا.. تراث غني بالتفاصيل

موسيقى الأقليات في سوريا.. تراث غني بالتفاصيل

اجتمعت في سوريا عبر التاريخ مجموعة كبيرة من القوميات والإثنيات المختلفة، يعود بعضها إلى أزمان سحيقة لا يمكن تحديدها، ومنها مَا تابعت حياتها محافظةً قدر الإمكان على شيء من تراثها الثقافي وتقاليدها.

وتمتزج في سوريا عدة تقاليد موسيقية مختلفة المنابع والمصادر، أهمها وأكثرها حضوراً إلى جانب العربية الموسيقى الكردية والإيزيدية والشركسية والأرمنية، أعادت التذكير بها أمسية "ألحان من الشمال" التي أقيمت مؤخراً في دار الأوبرا السورية بالعاصمة دمشق، بإشراف إدريس مراد وقيادة أوركسترا لنزيه أسعد.

وتضمنت العديد من النماذج الموسيقية والغنائية لأبناء الجزيرة السورية (شمال شرق سوريا)، بما فيها من خصوصية لا يمكن إنكارها، وجاذبية تستقي مقاماتها وتحويلاتها النغمية من روح البيئة بهوائها وترابها ومائها، ومن إرثها في الأفراح والأتراح.

من أمسية "ألحان من الشمال"، دار الأوبرا السورية، دمشق
من أمسية "ألحان من الشمال"، دار الأوبرا السورية، دمشق
موسيقى الأقليات في سوريا.. تراث غني بالتفاصيل
الإنشاد الديني بلمسة عصرية.. موسيقا محمود التهامي جسر بين التراث والحداثة

و"لعل أبرز ما يميز طبيعة موسيقى الجزيرة السورية عن غيرها من موسيقى تضمُّها بقية الجغرافيا السورية، هي أرباع النغمات التي تشتهر بها الموسيقى العربية عموماً، فمثلاً رغم أن مقام البيات واحد في سوريا، لكن استخدامات ربع التون فيه تختلف من الشمال إلى الجنوب إلى الساحل إلى المنطقة الوسطى، وهذا ما يحدد صبغة الاختلاف الأساسية..

أضف إلى ذلك نوع التكنيك في التعاطي مع الآلة، والتفاصيل التي تُغني العزف الشرقي، فكل منطقة لها الزركشات الخاصة بها، وهو ما يحدد طابعها الموسيقي وروح الموسيقى الخاص بها"، بحسب عازف الكمان والمؤلف الموسيقي رشيد هلال.

ولعبت الموسيقى التقليدية للأكراد دوراً هاماً في الحفاظ على الهوية الثقافية الكردية، ولعل أبرز ما يمكن الحديث عنه في هذه الموسيقى والتي تعكس معاناتهم في أنها تتجسد في مقام الكرد وطابعه المميز في تثوير الشجن والتعبير عن اللوعة والحرمان.

كما تتميز الموسيقى الكردية بالآلات المستخدمة في العزف، فإلى جانب آلة الكمان هناك آلات وترية أخرى مثل السَّنتور، الطَّنبور، والبزق، البغلمة، وآلات نفخية كالنّاي، الزُّرْنا، البُلُور، المزمار، إلى جانب آلات إيقاعية: كالدّف الكبير، والطبول الصغيرة والكبيرة.

آلة الطَّنبور الكردية
آلة الطَّنبور الكردية

ومنذ بداية القرن العشرين اشتهر عدد كبير من الموسيقيين والمغنين الكرد في سوريا، من مثل: كره بيت خاجو (1907-2005)، والمغني الأرمني الأصل آرام ديكران، أو تيغران، (1934-2009)، والفنانان الكرديان محمد شيخو (1948-1989) وسعيد يوسف المولود عام 1947 في منطقة الجزيرة، وعازف الطنبور أديك في عفرين، باقي خضر، الشاعر والمغني مشوبك أبور، وعازف الكمان، الموسيقي محمد دومان، والملحن رشيد صوفي في كوباني.

أما الإيزيديون فهم الشعب الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يقدّس الموسيقى والآلات الموسيقية، وخاصة الطنبور، فها هو العازف النوراني الخارق "قاضي شلو"، الذي بدأ يعزف معزوفته المتوارثة إلى يومنا هذا.

وكما يذكر الباحث حسان عباس في كتابه "الموسيقى التقليدية في سوريا" بأن للطقوس والشعائر الدينية علاقة خاصة بالموسيقى لدى الإيزيديين فلا يمكن لهذه الشعائر أن تتم إلا بمصاحبة جماعة خاصة من الموسيقيين يطلق عليهم اسم: القوّالون، ولهم نظام تراتبي إنشادي مكوّن من ثلاث مراتب. وهم المسؤولون عن إحياء المناسبات الدينية التي يقومون خلالها بإنشاد التراتيل المحفوظة أباً عن جد، كما يتم لديهم حفظ الآلتين الموسيقيتين المقدستين الأخريين الدّفّ والشّبّاب.

ويشارك القوالون بغنائهم وبعزفهم الشعائر الإيزيدية الاجتماعية، مثل دفن الموتى وإحياء ذكراهم، والدينية، حيث تجري عملية التبرّك بالآلات الموسيقية المقدسة من خلال لمسها باليد ثم لثمها.

حفلة موسيقية خاصة بالإيزيديين
حفلة موسيقية خاصة بالإيزيديين

وغالباً ما تتضمن الأعياد قراءة ملاحم إيزيدية بلغة كردية تتغنى ببطل يدعى "درويش عبدي" وتستمر الأعياد الدينية ساعات طويلة تنتهي بحفلات راقصة جماعية لا تقتصر على أتباع الطائفة، يحييها عازفون، من غير القوالين، يستخدمون الآلات المعروفة في المنطقة مثل الزرنة والمجوز والآلات الإيقاعية وخاصة الطبل.

وعلى صعيد موازٍ حافظ الأرمن المتجذرون في سوريا على بعض الأناشيد والأغاني الموروثة والمتناقلة شفاهة عبر الأجيال، كما نقل الأرمن المهاجرون بعضاً من تراثهم الموسيقي معهم. ومنذ بداية استقرارهم في سوريا، حرص الأرمن على الحفاظ على موسيقاهم التقليدية فأنشؤوا لذلك العديد من الجمعيات الثقافية التي تؤمّن تعليم ثقافتهم للأجيال الجديدة.

ويستخدم الأرمن في موسيقاهم التقليدية آلات شبيهة بالآلات العربية والتركية والكردية، مثل العود والكمنجة، والقانون، والتار، والدف، والزرنة، إضافة إلى بعض الآلات التقليدية المميزة، مثل الدودوك التي تعتبر الآلة الموسيقية الأرمنية بامتياز، وهي آلة نفخية تشبه الناي.

ويعود الشكل الأول منها إلى أكثر من 3000 سنة. وهي تصنع من خشب المشمش الأرمني، وهذا ما يسبغ عليها في اللغة الأرمنية اسم "البوق المشمشي".

آلة الزرنة الأرمنية
آلة الزرنة الأرمنية

أما الشعب الشركسي فتعود أصوله إلى منطقة شمال غرب القوقاز، وجاء بعضه إلى سوريا في عام 1864، بعد خسارتهم الحرب مع الجيوش القيصرية الروسية، والمعروف عن الشراكسة السوريين شدة تعلقهم بثقافتهم القومية.

لذلك بقيت هذه الثقافة حية لديهم رغم اندماجهم في المجتمع السوري، حتى غدوا جزءاً أصلياً من نسيجها الديموغرافي. وتشكل الموسيقى، إلى جانب الرقص، عنصرين أصيلين في الثقافة الشركسية ينتقلان من جيل إلى آخر. 

آلة الأكورديون الشركسية
آلة الأكورديون الشركسية

وتُستخدم في الموسيقى التقليدية الشركسية آلات خاصة مثل الأكورديون الشركسي المسمى "بشينا"، وهناك الآلات الوترية: "آبا-بشين"، و"شيكابشينا"، وأيضاً الآلات الإيقاعية: "بارابان" وهو طبل متوسط الحجم، و"بخشتيش، و"بخيتاو"، ومن الآلات النفخية الخاصة بالموسيقى الشركسية آلة "كاملابش".

موسيقى الأقليات في سوريا.. تراث غني بالتفاصيل
الموسيقا تجمع مسلمين ويهودا في حفلة مشتركة بلندن

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com