الروائي وليد علاء الدين “ابن القبطية”: جيلي لا يحمل “أستاذية” وينقل قلقه الوجودي للقارئ

الروائي وليد علاء الدين “ابن القبطية”:  جيلي لا يحمل “أستاذية” وينقل قلقه الوجودي للقارئ

المصدر: نعمة عزالدين- إرم نيوز

صوته الخفيض وكلماته المقتصدة وابتسامته المرحبة بين حين وآخر أثناء حوارنا، يجعل من الكاتب المسرحي والشاعر وليد علاء الدين استثنائيًا يبحث عن الوجود الإنساني بزوايا تعبير متعددة، لا يدعي امتلاكه لحقيقة مطلقة بل هو مثل قارئه في حالة قلق وغضب إنساني.

لعل ما يميزه فقط هو قدرته على كتابة هذا القلق وطرح حالة من التساؤل والدهشة لما هو متاح، ولكن ليس بشكل روائي مبدع كما فعل هو في روايته الهامة “ابن القبطية”، وهي حكاية “يوسف حسين” المولود لأبٍ مسلم وأم قبطية، الذي أوصاه الطبيب النفسي بالكتابة كوسيلة للعلاج، محاولاً اقتفاء موجات هذه الزلزلة الداخلية التي يتعرض لها هذا الشاب الذي يرصد في كتابته كل الأصوات التي تتداخل في عقله والهلاوس السمعية والبصرية التي يتعرض لها، مواريًا الحقيقة داخل ركام من الأكاذيب والخيالات ليجعل منها حالة فنية شديدة الثراء والتكثيف كما وصفها نقاد ومبدعون عرب.

بشأن الكتابة عن الآخر المختلف دينياً، يقول الروائي وليد علاء الدين في حوار خاص لـ “إرم نيوز”: “لا يوجد اختيار بقدر ما هو محاولة للتجريب والبحث عن الصوت، فكرة الرواية كنت طرحتها من قبل في مسرحية بعنوان “سورة يوسف”، في مجموعة مسرحيات صدرت عن الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، وأثناء شغلي على المسرحية وتجميعي للمراجع الخاصة بالديانة المسيحية وتاريخ الفتح الإسلامي واستقبال الأقباط للدين الإسلامي ونشأة وأسباب الخلاف بينهما وهي عملية بحث أرى أنها ضرورية لأي عمل سردي أو روائي بعكس العمل الشعري الذي لا يتجاوز مشاغبة الفكرة، أما في العمل المسرحي أو الروائي فلا بد من عملية تأسيس للشخصيات وقراءة مطولة للتاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الخاص بالفترة التي سأتناولها لأنني هنا أتحدث عن الواقع ولكن بشكل سردي جمالي”.

وأضاف وليد: “رواية ابن القبطية تأثرت بطريقة شغلي في المسرح فكان هناك تعدد أصوات وحوارات مطولة داخل كل شخصية، وهنا بدأت أرسم شخصية (يوسف حسين) بطل الرواية ابن (حسين المسلم) وتاريخ أمه مريم المسيحية الصعيدية، ولماذا وافق أبوها أن يزوجها من هذا الشاب المسلم الذي اعتبره زينة رجال القرية، وهو ما يوضح العلاقات التي كانت سائدة بين المسلمين والمسيحيين في صعيد مصر، في النصف الأول من القرن الماضي وإذا ما حدث بالفعل هذا الزواج الاستثنائي، فما هو شروطه ومجموعة القيم والأخلاق التي تجعل أبو مريم المسيحية وأم البطل يوسف يحترم حسين المسلم رغم اختلاف الديانة بينهما، اكتشفت أثناء البحث أن الشهامة والنبل والرجولة هي معايير اختيار حسين بغض النظر عن ديانته فهو الزوج المناسب للابنة، إلى جانب كنز معرفي مجهول لدينا يتمثل في أدب الرحالة الذين زاروا مصر وكتبوا عن أهلها وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية وقوة الدين وتأثيره في تلك العلاقات الإنسانية المتشابكة”.

وتابع: “الرواية ببساطة رفض تصنيف الإنسان تحت أي راية من الرايات في الكون، فهناك رفض تام للتصنيف على أساس الدين أو اللون أو العرق، الرواية إعلاء لجوهر وقيمة الإنسان وما يجمع بين البشر جميعًا أنهم يعيشون في كوكب واحد وسماء واحدة، وما يحكم بينهم هو مجموعة من القوانين، ولقد اخترت الدين في رواية ابن القبطية لأن الدين هو أشد أنواع التصنيف الذي يجعل إنسانا يقتل بضمير بارد”.

ويفسر الروائي وليد علاء الدين عدم تخصص أبناء جيله في كتابة الرواية فقط بل أغلبهم جربوا كتابة الشعر والمسرح والقصة القصيرة بقوله: “أتوقع من جيل الكتابة القادم أن يكون أكثر نهمًا في السرد سواء على مستوى المسرح أو الشعر أو الرواية أكثر من جيلي، والسبب أرى من وجهة نظري للانفتاح المعرفي الرهيب عن طريق وسائل التواصل الجديدة، فقد كشفت لنا ما لم يكن الآخرون  يعرفونه بسهولة، ففي السابق كان هناك احتكار لمصادر المعلومات وظهور الكاتب الذي لديه فرصة أفضل للوصول لأكبر قدر من المعلومات والكتب وزيارة المكتبات العامة، وهو ما جعل الكاتب قبل ثورة المعلومات يصاحبه شعور بالأستاذية”.

وأردف: “فعلى سبيل المثال الكاتب الكبير أنيس منصور لم يكن يكتب لغة جميلة ولكنه يقدم معلومة لا يعرفها الآخرون، ومن هنا جاءت تسميته بالأديب رغم أنه لم يقدم أدباً هامًا، كذلك الكاتب الكبير عباس العقاد كان لديه شعور طاغ بأن المعرفة يجب أن يستقيها القارئ العادي منه وما يقوله يجب أن نتعلمه دون نقاش أو تفكير، ربما طه حسين كان قريبًا من تلك الأستاذية بقدر، ولكن الوحيد الذي تميز في هذا الجيل هو الكاتب الكبير توفيق الحكيم الذي يشبه إلى حد كبير جيلنا، فهو يكتب بمنطق مشاركة القارئ معه في التفكير فيما يطرحه من قضايا إنسانية، هذه هي المتعة المستمرة في كتابات الحكيم، والتي لم تخبو عند القارئ حتى اليوم بينما كاتب بقيمة وقامة العقاد أصبحت كتاباته كلاسيكية لا يقرأها إلا الباحثون وليس القارئ العادي”.

واستطرد: “في تصوري أن جيل العقاد قد انتهى فالمعلومات متاحة على قارعة الطريق ولكن التميز يأتي في توظيف تلك المعلومات لطرح أسئلة جديدة وإحداث نوع من الدهشة تجعل القارئ يفكر مع الكاتب ويتشابك معه، فنحن جيل من الكتاب لا نحمل لقب الأستاذية ولكن نكتب أدباً جميلاً، جيلنا يعبر عن قلقه واستيائه وغضبه وربما لا يعرف الأسباب لكل هذا القلق والغضب ولكن يشرك القارئ فيها”.

وعن جلال الدين الرومي وعالم الصوفية الرحب، يتحدث الروائي وليد علاء الدين عن مشروعه السردي القادم قائلاً: “أضع اللمسات الأخيرة لروايتي الجديدة وهي مختلفة في موضوعها وعالمها عن فضاء الرواية العربية، ومتأثرة بأجواء رحلة قمت بها عام 2006 إلى مدينة قونية مقر مولانا جلال الدين الرومي في تركيا وصاحب الطريقة الصوفية الشهيرة المعروفة بالمولاوية، للاحتفال بمئويته الثامنة بتكليف من المركز العربي للأدب الجغرافي في أبوظبي بالتنسيق مع اليونسكو، لكي أكتب عن تلك الرحلة”.

واستكمل: “وذهبت إلى قونية متسلحاً بقراءات عن مولانا جلال الدين الرومي منها رواية بنت مولانا لكاتبة إنجليزية بترجمة بديعة للشاعر محمد عيد إبراهيم وهذه الرواية أسقطتني في فخ فتاة اسمها كيميا، وقصة حياتها شديدة العذوبة والقسوة، ما جعلني أبحث عن مولانا الرومي والدرويش الأكبر شمس الدين التبريزي، ودورهما الحقيقي في قتل كيميا، أم إنها قصة ملفقة”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع