بلبل: سنظلّ نقرع بالفن أبواب الأمل

بلبل: سنظلّ نقرع بالفن أبواب الأمل

المصدر: حاوره: محمد جميل خضر

رغم سكاكين طعن بلده جميعها، يطلع صوت الفنان السوري نوار بلبل المتنقل بين عمّان وباريس، مشعاً بأمل رابض هناك ”في آخر النفق“ كما يقول.

بلبل صاحب الصيحة المدوية في شوارع حمص: ”سلميّة.. سلميّة..“ التي يؤكد صداها وحدة الهم والنسيج والوطن، يرفض في حوار أجراه إرم نيوز معه، فكرة الترزق باسم الفن أو باسم الثورة، ويقول إن باب الترزق مفتوح لمن يشاء هناك على امتداد شاشة لا تمل من عرض المسلسلات في رمضان وعلى امتداد أشهر العام.

يقول بلبل: ”قبل الثورة كنا نقدم فناً يفتقد للبوصلة والهدف، محاصراً برقابة لا تنام ولا تغفل، وفلترة مضنية تسحب من الفن الحقيقي كل رسائله ودسمه ومعناه وجدواه“.

بلبل خريج المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، هو صاحب تجربة درامية تلفزيونية ومسرحية ممتدة، ومنذ انطلاقته في العام 1998 مع المخرجة رولا فتال أنجز مخرج مسرحية ”سفينة الحب“ زهاء 34 عملاً تلفزيونياً وعدداً من المسرحيات والأفلام السينمائية ممثلاً في معظمها ومخرجاً لبعضها.

مع عدد من الفنانين واللاجئين والمصابين السوريين أنجز أخيراً مسرحية ”سفينة الحب“ التي يتنقل عرضها من مدينة إلى أخرى من كتابته وإخراجه.

حول مسرحيّته الجديدة وأفق المستقبل الممكن، كان لـ إرم نيوز هذا الحوار مع نوار بلبل.

* ما هي جدوى المسرح إذاً، في ظل كل هذا الخناق على حرية الإبداع؟

والله لا أعرف.. لعلنا كنا نحاول أن (نخرمش) النظام بطريقة ناعمة مثل (خرمشة) فراشة لجدار سميك. ربما لنقول له إننا موجودون رغم كل العراقيل ولجان الرقابة ورغم كل عمليات الحذف والتعديل وفي أحيان كثيرة رفض النص من أساسه. قبل مارس، آذار العام 2011 كنا مجرد قطط. عندما خرج شباب وشابات سوريا، هؤلاء المندفعون الشجعان المتهورون الأبطال، وصرخوا ”حرية“ كانوا يعلنون بشكل قاطع رفضهم لخطوط الطول والعرض، وتجاوزوا ما كنا نفعله، نحن الذين ندعى زوراً بالمثقفين، مما جعلنا ننقسم إلى قسمين: قسم استكان ووقف وراء هذا الجيل ولحق بمتطلباتهم، وآخر وقف ضدهم؛ لأنهم لم يخرجوا من حضنه، وربما الأصح؛ لأنهم جبناء. أي بمعنى آخر اختار كل قسم موقعه الطبيعي.

* في ظل هذا الواقع هل يمكن لعمل مسرحيّ أن يصنع نصراً؟

الثورات والحراك الشعبي ليست رصاصاً فقط، المسرح يمكن أن يكون ثورة، الأغنية، اللوحة، ولا ننسى الفنان سميح شقير الذي تحولت أغنيته ”يا حيف“ إلى أيقونة من أيقونات الثورة وانتشرت كالنار في الهشيم، وكذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي هُشّمت أصابعه لإيقافها عن الرسم وتعرية الواقع. من هنا نستشعر أهمية الفنون عموماً البصرية منها والأدائية كروافع وحمل رسالة وتكريس قيم أخلاقية وجمالية ما. نحن الآن في قلب الحدث والتاريخ سيتكفل بغربلة الحَب من الزوان، ولن يمكث ويبقى إلا ما ينفع الناس.

قد ينظر بعض الناس إلى المسرح على أنه ترفٌ في ظل الظروف الحالية، ومع كل هذا الدم والتشرد والأسر والضياع والخراب والدمار، ولكني أرى أنه ضروريٌّ للتأريخ والتوثيق.

*كيف تقيم منجزك قبل العام 2011 وما بعده؟

قبل الثورة كنت أتلمّس طريقي، والتلفزيون كان للترزق فقط. وأي عمل مسرحي أنجزته أيامها هو كمن يصف حبة وجع راس لمريض مصاب بالسرطان في مراحله الأخيرة. أما الآن فأنا أعرف ماذا أريد، وكيف أحققه، وإلى أين أريد أن أصل من خلال المسرح. قد يقول قائل إنه على صعيد المستوى الفني والتقنيات فأعمالك مع الأطفال المصابين (حقها بساوي فرنك) كما هو الحال على سبيل المثال مع عرض ”شكسبير في الزعتري“. ولكن على المستوى الإنساني فإن هذه الأعمال لا تقدر بثمن، وسوف تأتي أيام نقدم فيها أعمالاً مهمة على صعيديّ؛ المبنى والمعنى. نحن بتنا الآن أحراراً، وشئنا أم أبينا فإن مسرحنا أيضاً سيتجلى حراً، ونقدم من خلاله ما يليق بحضارة عمرها سبعة آلاف عام.

* ألا ترى في إشراكك بالعروض مصابين وفاقدين لبعض أطرافهم شكلاً من أشكال الاستجداء؟

هذا واقع الحال، لدينا أكثر من مليون شهيد، وحوالي مليون ونصف المليون جريح، ومليون معتقل، وزهاء 12 مليون مشرد ولاجئ في الداخل والخارج. فهل هؤلاء ضيوف على المجتمع السوري، إنهم سوريون ويجب أن نطرح مشكلتهم بلغة فنية راقية بعيدة عن الشعارات.

* إلى أين تريد أن تبحر بـ ”سفينة الحب“؟

قبل 6 أعوام لم نكن نفكر مجرد تفكير بمغادرة بلدنا، وكان الخروج من سوريا هو بالنسبة لنا للسياحة فقط، أو لمشاركة هنا أو هناك. لكن النظام فرض على السوريين هروباً جماعياً من مدنهم وحاضنات ذكرياتهم ومراتع صباهم، وأرغمهم على طرق مختلف أبواب اللجوء بحثاً عن ملاذ آمن. مسرحية ”سفينة الأحلام“ تطرح هذه المأساة والتغريبة السورية بطريقة يفهمها الآخر الأوروبي على وجه الخصوص والغربي على وجه العموم، فهي موجهة بالدرجة الأولى له، وقد أصبح مئات الآلاف من شبابنا في دياره، فقد بات لزاماً أن يعرف من هم السوريون، وأنهم ليسوا إرهابيين.

لأول مرة أعمل مع فنانين وأناس عاديين من أبناء بلدي بحرية هواؤها عليل، بعيداً عن الخوف والتجريم والتكبيل. نصنع غدنا معاً ونسعى لتحقيق أحلام شعبنا بالحرية والكرامة والعدالة. بمسرح فقير، وسينوغرافيا بسيطة، وأداء مضطرب أحياناً، ولكن بروح حقيقية، وبأمل يكبر يوماً إثر يومٍ.

51179354-ac0b-41a8-bdda-fb95bd5d656e

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com