ثقافة

هاني نديم: على الشاعر أن يكون نجمًا حتى لا يدفع للناشر
تاريخ النشر: 01 مارس 2022 11:41 GMT
تاريخ التحديث: 01 مارس 2022 13:35 GMT

هاني نديم: على الشاعر أن يكون نجمًا حتى لا يدفع للناشر

حينما يكون الشاعر قرويا، يصبح للشعر جذور أكثر عمقا واقترابا من الأرض والطبيعة، وتكون تأملاته أكثر إيغالا في عمق الإنسان، كاشفا عن جمال غير اعتيادي. وهذا ما تحقق

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

حينما يكون الشاعر قرويا، يصبح للشعر جذور أكثر عمقا واقترابا من الأرض والطبيعة، وتكون تأملاته أكثر إيغالا في عمق الإنسان، كاشفا عن جمال غير اعتيادي.

وهذا ما تحقق في شعر السوري هاني نديم المولود في قضاء مدينة النبك السورية عام 1972، حيث عشق تفاصيل القرية وكتب عنها، مقدما بضع مجموعات شعرية من أبرزها ”الدم قراطية“، و“نحات الرياح“، و“كرامات الأشقياء“، و“كونشرتو الذئب“.

كما غنى من كتاباته فنانات بارزات من الوطن العربي كأميمة خليل، ومكادي نحاس، ولينا شماميان.

وقدم الشاعر السوري سيناريوهات لبعض الأفلام الروائية، وله مسرحيات كتابة وإخراجًا.

وخلال رحلة طويلة مع الشعر والأدب والفن، عمل صحافيا، ولا يزال، في العديد من المنابر الصحفية العربية، إذ أضافت مهنته الصحافية لمسيرة الكتابة لديه، مقدما تجربة إبداعية لافتة.

وفي حوار خاص، أجرته معه ”إرم نيوز“ أكد الشاعر هاني نديم ملامسته للأشياء من حوله بخفة وطراوة، لغويا، ومجازيا، ونفسيا.

وبيّن أن من أهم هذه الأشياء الموت والحرب والمرأة والحياة، معربا عن أن مهمته الشعرية هي توسيع دائرة الجمال، دون كونه معتما.

وأقرّ هاني نديم بأن المرأة لديه، هي الجمال الأول والطبيعة الأولى والمساحة الغامضة والأجمل حيث قال ”أكتب والمرأة في خلفية تصوراتي مهما كنت أكتب، لهذا حضورها دوما حضور ضبابي، ظلالي، دون فجاجة“.

وحول مشواره الطويل مع التجريب الشعري، ومدى اكتراث الواقع للشعر، أجاب بسؤال استدراكي ”هل يكترث الشعر بما يكترث به العالم؟“.

وتابع ”الشعر مفردة أصيلة من مفردات الحياة ولن يقف يوما أو يسأل كيف سأستمر، إنه يقول ويقال وحسب، وفي كل زمان ومكان ثمة أناس تبكي من الشعر وتضحك منه، وتستقي قيمتها وحوافزها منه“.

مارادونا وبيليه

أما عن أثر التطور التكنولوجي وأدواته على بنية الشعر الحديث، أفاد هاني نديم بـ“أن هذا الإناء الجديد ”السوشيال ميديا“ مربك وخطير، وله تأثيرات فارقة على الصحافة والإعلام والأدب والفردانية وكل شيء، وحتما على الشعر وبنيويته، عني بشكل شخصي، لا أحب 98% من النصوص التي أقرأها على تلك المواقع، ذلك لأن الجميع اليوم يكتب“.

وبين أن وسائل الإعلام الرسمية تعد بمثابة مدن، ووسائل التواصل الاجتماعي هي عشوائيات ملحقة بها.

واستدرك بأن العشوائيات أخرجت للعالم مارادونا وبيليه، لكنه عبّر عن عدم خوفه على الشعر واصفا إياه بالحصافة الكافية لفرز بعضه بعضا، والاستمرار.

القصيدة المناشيت

وثبّت الشاعر هاني نديم دستورية الشاعر الأصيلة بعدم وقوفه مع الظالم، وأعرب عن كون صوت الشاعر المعروف حشد بما له من أثر وارتدادات.

وأكد نديم ابتعاده عن المنابر الرسمية، والقصائد المانشيت والتمظهر اللغوي، مؤكدا ميله للطف والتلطف، في مسار حياته، وبأن الحروب خارج دائرة اللطف بالمطلق.

رسائل

وعن رسالته للعالم بعد تجربته الأدبية الحافلة يقول هاني نديم ”شكرا، فأنا لم أخطط لشيء أبدا، ورطني أحبتي الشعراء بالشعر، ودفعني الشعر إلى الصحافة، والصحافة دفعتني إلى مواجهة العالم الحقيقي بعيدا عن الرومانسيات“.

أما رسالة هاني نديم لنفسه فكانت ”شكرا لي لأني عنيد وظريف، ومسؤول كسيارة قديمة لأستاذ مدرسي“.

وحول تأثر مشروعه الأدبي بعمله الصحافي قال هاني نديم ”أنا لست من الأدباء الذين يشتمون الصحافة ويرونها عائقاً، بالعكس تماماً، تجربتي دون الصحافة تجربة ناقصة وقاصرة، فقد رأيت العالم بسبب عملي كصحافي، رأيت الآيائل التي يكتبون عنها ومعابد البوذية المذهبة، رأيت حتى امتلأ داخلي بصور جديدة ومفاهيم جديدة، ولغات أخرى، وإشارات وإحالات“.

وتابع ”أنا مدينٌ للصحافة طيلة مسيرتي، وعلى العموم أنا هاجسي الشعري ليس كمياً، فبمعدل كل 4 أو 5 سنوات أخرج ديواناً شعرياً. وهذا يكفي. معظم كتبي عن الصحافة وأدب الرحلة وخلافه“.

فوارق

وعن بداياته الشعرية، والفارق عن شعره الحديث، يقول هاني نديم “ أول مجموعة لي كانت بمثابة كشكول مدرسي، فيه قصة، وفيه مقال، وفيه ما يشبه الشعر، كان عمري 17 عاماً وطبعته لأقول للناس: انظر أنا أديب أيها العابث! طبعاً، المختصون الناصحون جلدوني جلداً، ما جعلني أعيد النظر في كل شيء“.

وتابع: ”مشيت على ”الألف“ موزون وبحور، عمودي وتفعيلة وقصائد نثر صافية، ثم تحررت وعدت لطفولتي أكتب نصوصاً تشبهني من ملاحقة الصوت، التي تشبه أناشيد الرعاة، والتوشيحات الرثائية غير المفعلة إلا بالصوت. وهي تجربة موازية دون أن أتخلى عن العمود الذي أحب، والنثر الذي يحقق آفاقاً أرحب“.

لو

وحول تكرار استخدام لو التمني والحسرة في قصائده يقول“تلك الـ ”لو“ رافقتني في كل حياتي، لو أني لم أتغرب، لو أني لم أعمل كصحافي وعملت بالسكراب مثلاً فهي أكثر مالاً وراحة بال، حينما حدث ما حدث بسوريا، كأن السماء سقطت على الأرض بالنسبة لي، انتهت كل مباهجي وشعرت بقصور الشعر والأغاني والمواويل التي لم تدرأ ما حدث“. وأعرب عن أننا بعيدون كل البعد عن العالم الجديد، لعدم مواكبتنا للعلم والصناعة الذكية.

الأماكن

وعن تأثر شعره بأصوات الأماكن بعد الترحال الطويل يفيد نديم ”المعجم اللغوي والبصري يتسع باطراد مع كل مكان جديد، أنا مخلص لمفرداتي، لا أكتب عن الآيائل وأنا لم أرها، ولا عن الإوز الملكي وهو ليس من بيئتي، إنما دخلت تلك المفردات ومثلها الكثير على النصوص إن كانت بسياقها، طقوس الموت المختلفة بين الشعوب، طقوس الحياة والولادة، كل شيء ينمو مع السفر، لهذا أشرت إلى أهمية الصحافة والسفر على الشعر“.

التراث والشعر

اما عن ارتباط شعره بالتراث الشامي، ومدى نجاح الشاعر المنشق عن تراثه، فقال ”لدي اعتقاد راسخ بأهمية الخصوصية والفردية، كيف ستكون فردانيتك لو كتبت عن مكان وزمان الآخرين؟ إن كل الأدباء الذين أخلصوا لمفرداتهم الأولى نجحوا نجاحاً باهراً على اعتبار أنهم أصيلون، ألم يصل نجيب محفوظ من خلال الحارة المصرية بكل  مفرداتها إلى العالمية؟ كذلك ماركيز وساراماغو وغيرهما. الفردانية تكون بتقديم تراثك أنت بشكل بليغ“.

لا أحب النقاد

وحول تجربته النقدية، وتقييمه للقراءات العربية للكتب، المنتشرة في الصحف، أفاد هاني نديم ”الحقيقة أخجل من تسميتها تجربة نقدية، هي ملاحظات انطباعية طبعت في كتاب من بين آراء نقدية متخصصة وغير متخصصة، أما عن النقد العربي اليوم، فهو في 90% منه مضحك. مجرد إخوانيات ومجاملات وتهويمات بلاغية على السطح. وبالعموم أنا لا أحب النقاد حتى وإن كانوا جيدين. نادراً ما أحب ناقدا. نادراً جداً“.

رهبة

أما عن حواراته الصحفية الواسعة، وأكثرها رهبة فقد أفاد ”كثر، لقد حاورت أكثر من 600 اسم أدبي وثقافي وفني، ثمة أناس أتهيبهم حتى هذه اللحظة لأنني أعرف درجة وعيهم وحجم تعبهم على ثقافتهم، كما أتهيب الموهبة الخارقة الماحقة حتى لو كان عمر صاحبها 20 عاماً. من أكثر حواراتي السابقة إرباكاً وتردداً كان مع محمد مهدي الجواهري، على أن أي حوار مع امرأة جميلة يربكني أكثر من كل الأسماء“.

ثقافة أحادية

وبيّن نديم بأن مشكلة الكثير من الشعراء أحادية الثقافة، وأن العلم بالبحور والنحو والصرف والتراث لا يكفي، مبينا أهمية الامتداد للفلسفة والجغرافيا والتاريخ والعلوم برمتها.

وأكد أهمية التجريب للشاعر، لتأبي الوصول لعتبة الفراغ من المضمون، وصفة قول كل شيء. لكنه يؤكد أن التوقف عن الكتابة للشاعر يكون إيجابيا، لعدم السماح بتكرار نفسه.

الشاعر والناشر

وفيما يتعلق بتجربة الشاعر العربي مع الناشر يبدي هاني نديم استهجانه فيقول ”والله إن الشاعر مظلومٌ في الأرض وفي البر وداخل الغواصة وفوق الفيل. فعليه أن يكون نجماً حتى لا يأخذ منه الناشر، وهذا نادر اليوم، دواوين الشعر بالعموم غير رائجة كما يقول الناشر، ولكنه كسمعة يجب أن يطبع الشعر.

وتابع ”ثمة خلل تسويقي لدى دور النشر ولدى الشاعر وهو أمر ليس من مهمته. ما أنا أكيدٌ منه، وبصفتي أعمل بالصحافة والنشر والشعر معاً، أن هنالك الكثير من الشعراء الذين تباع كل نسخهم في معارض الكتاب. ولكن هل هنالك ناشر يأتي لشاعر ويقول له تفضل: هي 500 دولار نصيبك من أرباح هذا المعرض؟ أشك في ذلك“.

ندرة الترجمة

وبخصوص ندرة ترجمة الشعر من العربية للغات الأخرى يفيد هاني نديم بأن المثقفين العرب والمترجمين، ودور النشر الغربية تتمنى الترجمة العكسية.

وبين أن الأكثر جدوى لدى المترجمين هو الترجمة من اللغات الأخرى للعربية، لهذا يهملون هذه. المهمة .

وختم نديم حواره مع ”إرم نيوز“ بالقول ”في آخر رحلة لأوروبا، بدأت ألحظ كتبا عربية مترجمة لكتاب غير مشهورين نسبياً وهذا عظيم. العالم يقرأ ونحن علينا أن نقحمه في ثقافتنا بالترجمة“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك