"من أين ندخل إلى التسامح؟" للمفكر محمد وردي.. رؤية فلسفية لعالم تنهشه الصراعات الوهمية

"من أين ندخل إلى التسامح؟" للمفكر م...

#إرم_نيوز

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

يجسد كتاب ”من أين ندخل إلى التسامح؟“ الصادر حديثا، للمفكر والناقد ”محمد وردي“ رؤية فلسفية لعالمٍ تنهشه الصراعات الوهمية، في موجات غير مسبوقة من العداء والعنف والكراهية، في محاولة من الكاتب للتصدي لتنامي الأحقاد وزرع قيم التسامح والألفة.

ويتمحور الكتاب عن فكرة أن التسامح لا يعكس حاجة إنسانية تندرج في إطار الاحتفاء بالإنسان؛ باعتباره مسألة من طبيعة الأمور، وإنما مجرد طرحه كموضوع له أهمية، أو كقضية ملحة، يحيلنا ضمنا إلى أزمة بنيوية، على قدر عال من الخطورة.

يقول وردي في كتابه: ”تقتضي الموضوعية العلمية في مسألة تجديد خطاب التسامح وتطوير مفاهيمه ومصطلحاته، العودة إلى ما يمكن أن نسميها مسيرة التسامح في الثقافات الإنسانية تاريخيا. ولكن ذلك تحول دونه صعوبات عدة؛ منها ما هو نظري، ومنها ما هو عملي. فأما على المستوى النظري فإن مفهوم التسامح في الثقافة المعاصرة يحيل إلى معان عدة تبدأ بالسياسي في إطار الديمقراطية، ولا تنتهي بالأطر القيمية المجتمعية السائدة في الوعي؛ حوار، قبول، تنوع، تعدد، اعتراف، مساواة، حرية.. فضلا عن تمثلات المفهوم في العلوم الإنسانية؛ فلسفة، علم الإناسة، علم النفس، علم الاجتماع، علم الاجتماع المقارن، علم الأديان المقارنة وغيرها“.

ويضيف في موطن آخر، مسلطا الضوء على الصعوبات التي تقف أمام تجديد خطاب التسامح، إن ”موضوع تجديد خطاب التسامح، غير مطروح في الثقافات المعاصرة؛ بقدر ما هو مطروح موضوع تطويره. فلا ننسى أن التسامح في الفكر الحداثي هو مجموع الأنسنة التي أنتجها الوعي الحديث، التي شكل عصر النهضة الأوروبية منطلقها الأكثر ثباتا ورسوخا واستمرارا في الوعي الكوني الراهن. ولكن الفكر العربي لم ينخرط -من منظورنا-  في عملية الحداثة أصلا. وهو ما يبرر طرح موضوع تجديد مفاهيم خطاب التسامح ومصطلحاته وتطويرها، بالتوازي مع ضرورة تجديد الخطاب الإسلامي؛ على قاعدتي استعادة البعد الإنساني في الخطاب وفي الشخصية العربية والإسلامية، والبحث في علم الجمال وثقافة المحبة والصداقة“.

ويسلط الكتاب الضوء على الواقع الراهن في العالم العربي، معتبِرا أن ما يعتريه من قسوة وعنف، يكشف عن عدمية متمادية بعبثيتها، لدرجة أننا تعايشنا مع الدماء والأشلاء المتطايرة في مختلف الحواضر العربية والإسلامية، فلم تعد تهز وجداننا صرخات الأطفال والنساء، أو استغاثات العجائز والشيوخ، نشهد بشكل يومي؛ كل هذه الصور المأساوية أو التراجيدية على مسرح الواقع، ولا نبالي، ولا يرمش لنا رمش، نأكل ونشرب ونلعب، وكأن شيئاً لم يكن.

وفي حديث خاص لـ“إرم نيوز“؛ قال وردي إن ”الأزمة البنيوية تكشف بصورة فاضحة، أعطاب الشخصية العربية والإسلامية، بل تعريها من القشور التي كانت تتلفع بها زورا، تحت عناوين أخلاقية ودينية وإنسانية، أثبتت مجريات الأمور، وبخاصة خلال العقدين الأخيرين، أنها كاذبة“.

وأضاف: ”الحافز وراء تأليفي للكتاب، هو أننا في الواقع العربي الراهن أصبحنا نمارس حياتنا بحيادية عادية، طالما العنف بعيد عنا شخصيا، طالما التوحش لم يلغ بدمائنا أو ينهش بأجسادنا، فننام قريري العين، لا تؤرقنا النواميس، ولا تقض مضاجعنا الكوابيس. ما يعني أننا فقدنا آدميتنا، ولم تعد لنا صلة بالإنسان، وصرنا أقرب إلى الوحوش والضواري. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، أنا أعمل منذ ستة أعوام، محررا للمحتوى في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة؛ برئاسة معالي الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، الذي ينهض بمشروع تجديد الخطاب الإسلامي، على قاعدتي، تصحيح المفاهيم، وتأصيل السلم في الإسلام“.

وأوضح وردي، في حديثه لـ“إرم نيوز“: ”الغرض واضح، وهو استعادة البعد الإنساني المفقود في الخطاب وفي الشخصية العربية والإسلامية المعاصرة، كما أوضحت ذلك بشكل موسع في كتابي (دروب الحداثة)“.

وقال وردي: ”لم أعتمد في تأليفي للكتاب على منهج بعينه، ويمكننا تسميته بالمنهج البيني؛ وفقا لتوصيف الدكتور عبد السلام المسدي، الذي تفضل علي بتقديم الكتاب. أما لماذا لم أعتمد على منهج بعينه، فذلك يعود لأسباب مختلفة، ليس أقلها، أنني أتبنى رؤية ومفهوم مختلفين، لموضوعي الهوية والمنهجية. وأوضحت ذلك في كتابي (الهوية والمنهجية بين الإبداع والتهافت) وأظن أن الموضوعين على علاقة مباشرة -بالمعنى المعرفي- بموضوع التسامح. ومع ذلك؛ أقول: ربما هي مقاربة منهجية عربية خالصة، قد تتبلور في المستقبل؛ سواء بقراءات المفكرين، أو بجهودي الخاصة“.

وأضاف: ”خطابي موجه للشخصية العربية والإسلامية المعاصرة. وأظن، أنني قمت بأول محاولة عربية، لتوطين (خطاب التسامح) في الثقافة العربية والإسلامية، إذ رسمت الطريق لاسترداد إنسانيتنا المختطفة أو المغيبة، منذ عشرة قرون على أقل تقدير“.

وقال الدكتور فريدريك معتوق، في معرض تقديمه للكتاب: ”يقوم محمد وردي في كتابه الجديد (من أين ندخل إلى التسامح؟) بتقديم إضافة وازنة على مفهوم التسامح، حيث لا يكتفي بتعريبه وتأويله، بل يقوم بتبييئه معرفيا، كاشفا عن جذور متينة وعميقة له، في الثقافة العربية القديمة؛ كما في الدين الاسلامي“.

ومن جانبه؛ قال الدكتور عبد السلام المسدي، في تقديمه للكتاب أيضا: ”المؤلف محمد وردي، في كتابه هذا، يعالج قضية جوهرية تقع في مركز دائرة تربطه بمحيطها شعاعات متتابعة، ومن أجل ذلك توخى من المناهج؛ ذاك المنهج الذي أمسى يُنعَت بالبَيْني؛ على معنى تمازج الاختصاصات. وبفضله يُتاح للكاتب أن يأخذ من كل حقل ما يزيد بحثه غَناء، وما يتعدد به القراء الذين يتلقون دلالات الخطاب، ولعل هذا ما يُفسِّر مجيء العنوان في قالب سؤال؛ من أين ندخل إلى التسامح؟ والسؤال -كما نعلم- هو مفتاح باب التأمل الفكري، وهو بالتالي مفتاح الفلسفة“.

”من أين ندخل إلى التسامح؟“ من إصدارات دار ”هماليل“، عام 2020، ويقع في 330 صفحة من القطع المتوسط.

الكاتب في سطور

محمد وردي؛ ناقد ومفكر عربي، عمل بالصحافة لنحو 30 عاما، ونشر مئات المقالات والبحوث في كبريات الصحف والمجلات العربية.

 ويعمل حاليا محررا للمحتوى في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة. مدير تحرير مجلة ”تعايش“ التي تعمل على مشروع ”الأنسنة العربية“. المدير التنفيذي في مركز ”الموطأ“ للتعليم والبحوث، الذي يشرف على ”برنامج إعداد العلماء الإماراتيين الشباب“.

صدر للكاتب ستة كتب؛ هي ”الهوية والمنهجية بين الإبداع والتهافت“، و“سرديات إماراتية1″، و“سرديات إماراتية2″، و“سرديات عربية“، و“دروب الحداثة“، وله قيد الطبع كتاب ”الهوى إماراتي“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com