نوستالجيا إبراهيم الكوني.. و“روح البعد المفقود“

نوستالجيا إبراهيم الكوني.. و“روح البعد المفقود“

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

الأرض هي الأم للإنسان، ولكافة الكائنات الحية التي تمشي على سطحها، في ذلك المد الشاسع تحفظ الأرض أسرار الكون، وكأنها تحنط ذاكرتنا على مر العصور، بحكمة، الذي يعلم الـ ما تحت، والـ ما وراء، كي لا تمر الأحداث، والخبرة الإنسانية، ويكون مآلها النسيان، وهو في مفهومه المجازي يعني الاندثار.

العودة إلى الالتصاق بالأرض، والتأمل في منتجها، ومبادلتها الإحساس، بما تقدمه من استعارات للحب، والعطاء للإنسان، يحتاج عقلًا مجبولًا بالضوء، وقلبًا مسندودًا إلى جدار من العطر. تلك هي المنطقة القديمة الجديدة، التي يعيدنا إليها إبراهيم الكوني، الكاتب الليبي، في روايته،“روح البعد المفقود“، الصادرة عن دار سؤال للنشر والتوزيع، 2018. هل هي المساحة التي يمنحها الورد لما حوله، هي السبب في توسع الكون؟ هل ترى الوردة ما نرى من التفاصيل الميتة من حولنا؟ و كيف لنا أن نقطف وردة، نقتل الوردة بأيدينا، نقتلها داخلنا؟ يحاول الكوني من خلال تأملاته الرجوع إلى المكانة الطبيعية للإنسان، يوم كان يمارس إحساسه على الأرض، كما يمارس طقوسه كافة، لينهل من أسرارها، ما كان سببًا في استمراره عليها، وبنائه الحضارة. يشفق ”الكوني“ على الوردة بقوله: ”ظنًّا أن الميلاد هو نهاية المطاف، الذي سيحقق الخلاص، ولم أتخيَّل، أنها بداية لمرحلة القصاص“.

في سرده لسيرته الرؤيوية، يشيد الكوني، ويستشهد بما اتجه السومريون إلى جعله قانونًا، بمنع بيع الورود، ويستغرب مِمَّن يقدمون على العمل في تجارة الزهور، ويجعلون من دماء الزهور وسيلة للعيش، وكأنه يصف تقشر الطبيعة الإنسانية الأصيلة، وتبدلها إلى صبغة الاغتراب، عن كل ما هو طبيعي، هو ما أوصلتا إليه التعالي على الأرض، بركوب البرزخ المعلق بين السماء والأرض، في المباني العالية، وكأن هذا الأسلوب من التعالي، هو نتيجة الخوف، من أن تعيدهم إلى جوفها. ويقدم الكوني على وصف الورد وصفًا مجازيًّا، بالقول: ”الورد في عرف العالم بطل تراجيدي بالسليقة“.

ترى، كيف يكون الهوس بالجذور، بمثابة قناع للتعبير عن الهوية الجديدة؟ هي طريقة الكوني في وصف طبيعة الإنسان، وذاكرته الجانحة دائمًا إلى الضمور. ونلحظ كيف تبدو لهجة التأسيس للأشياء لدى الكوني، كي تبدو متمركزة في جلوسها، حين يصف الجذور بأنها ترجمة لمرحلة استقرار، فإن الثمار يجب أن تكون قياسًا للنفع في لعبة الوجود، في بعده الجديد. إنها الأصالة ما تعيد الكوني إلى لهجة القرب من التراب، ومخرجاته، بنظرة تأملية، تعيد الإنسان منطلقًا من جوفه، فيقول: ”إن البذور آنذاك لا تنمو في باطن الأرض، إنما تنمو في باطن المريد“.

إن الإنسان المغترب، مهما كانت من حوله، السبل مذللة، لأن يعيش، فإن فكرة الحنين، واستعارة الوطن في الداخل، تبقى الجزء الأوضح في ملامحه الداخلية، تلك الحالة من الـ“نوستالجيا“، ما يمكن اعتباره عربة عودته إلى ذاته، ووطنه الصحراوي الطبيعة، حيث يقول: ”إنها الطبيعة في أكثر أبعادها عفوية، ونبلًا، وزهدًا، وربوبية: الصحراء“، ويسرد في موطن آخر: ”لا حيلة لاستعادة الوطن، سوى تحويل العالم كله صحراء“. إن ما يبعثه الكوني في أفكاره حول الاغتراب، كأنه يحاول أن يرينا قاع البئر، من خلال ذر عاطفته المتراكمة، في المسارات كافة إلى عمقه، فيقول: ”حين ننطلق، لا نعود إلى الوراء، أبدًا لا نعود، حتى لو عدنا، لأننا نغترب، نغترب لأننا نتحرر من بعد الوجود، لا المكان، لنسكن الهجرة، البعد المفقود“.

هو من خلال هاجسه المهتز، يصف توق روح الإنسان إلى وطنه، لكن الجسد هو ما يحبسها.

ولا يتوقف الكوني عن الاستغراب، من ميل الإنسان إلى استقدام القطط والكلاب من الطبيعة التي هي أفضل حاضنة لها، للعيش داخل العلب الأسمنتية، بحجة الألفة، كأنها طريقة يتبعها البشر في تغريب الأشياء كافة من حولهم.

إن إبراهيم الكوني، يهدف، بكلماته المحملة بالفخامة، والأسلوب الطري في استدراج ذهن القارئ، إلى بيئة هو يتقصدها، لوصف المكان الذي يعيش فيه، متمثلًا في بيت في أعلى جبال الألب في سويسرا، هو المكان الذي تلتهم فيه الثلوج ما تنتجه الطبيعة، وتغرّبه، من دفء الشمس، والورود،        والثمار، حتى التراب، الذي يمنع الثلج المتراكم ظهوره، حاجبًا هوية الأرض، ولونها المحبب للعين، متسائلًا: ”ما الجرم الذي اقترفته الأرض، في حق السماء، لتقتص منها بالثلج؟“. وكان الكوني يريد إبراز معاقبة السماء للأرض بما فعله ابنها، فهي تتلقى القصاص، بالنيابة عنه.

في عقل الإنسان الباحث عن الجمال لا يتوقف الميل، والغرام بالهوامش الصغيرة، تلك التي تسترجع صورته الحقيقية، من الوعاء الذي يمارس فيه غربته، وهو ما دفع الروائي الليبي إلى وصفنا جميعًا، في حالة تركنا لجذورنا، باللقطاء. لا حاضنة للإنسان، إن لم يكن خيط الجمال الممتد من ترابه، ولن ترسخ ذاكرة التحليق فيه، طالما أنه معلق في القناع الخاص به، ولا يكف الكوني عن التساؤل: ”ما نفع وجود الجمال، في عدم وجود كائن ينبهر بوجوده؟“.

لا سبيل لعودة الإنسان إلى المنطقة التي منحته الدفء، في ذاته، وفي كل المفاهيم حوله سوى العودة، العودة إلى الذاكرة الأصيلة، هي ما تكونت داخلنا، مثل وردة، لكن انقطعنا عنها، قطعناها ومشينا إلى مصيرنا البارد، هي أفكار الكوني يمسد بها ذهن المتلقي، من خلال عذوبة الجملة، محملة بحكمة السنوات، والغربة عن صحرائه المزينة بالورد، وهنا قوله: ”لقد رهنا أنفسنا للنسيان، منذ فقدنا الذاكرة الطبيعية، ولجوئنا إلى الذاكرة الصناعية“.

للكوني بيئة مرهفة من الكلمات، والأحاسيس، التي تمثل الخامة الأصيلة للعاطفة الإنسانية، الواجب الرجوع إليها كل حين، كوسيلة لغسل دهشتنا من جديد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com