النحت الرقمي.. كيف يتغير مفهوم الفن بفعل التكنولوجيا؟

النحت الرقمي.. كيف يتغير مفهوم الفن بفعل التكنولوجيا؟

دخلت التكنولوجيا ثلاثية الأبعاد في مختلف أشكال التصنيع، وتم استخدامها كذلك في الفنون، حيث انطلقت حديثا إلى عالم النحت.

وتمكن النحاتون من خلال الأدوات الرقمية والتطبيقات الذكية، من التعديل على أعمالهم الرقمية، وصقلها، وسحبها وتنعيمها، وقرصها، والتلاعب بها، كما لو أنها مصنوعة من مادة واقعية.

ولم يعد تشابك الأدوات الرقمية مع الفن، حاليا بالشيء الغريب، فلطالما كان الفن هو أجرأ الصناعات وأكثرها مرونة في التقاطع مع الأدوات الجديدة.

ويبدأ الفن دوما من أدوات الواقع، ويكون الخيال مسرح العبث والتجريب من أجل صناعة الشكل والمعنى الذي يريده الفنان.

إذ يرى الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي أن "الفن هو ملكة كل العلوم، التي تنقل المعرفة لجميع أجيال العالم" وفي هذا استقراء منذ القدم لقدرة الفن على التجدد والاندماج بمتطلبات العصر الذي يستمر في التغير، وهذه الرقمية، لم تدخل فقط في صناعة الفن، بل في ترويجه وإظهاره وإيصاله إلى العالم.

أدوات النحت الرقمي أسهمت في إنتاج شخصيات كرتونية وشخصيات أفلام الخيال العلمي بشكل معقد التفاصيل

لمن الأفضلية؟

وعند مقارنة النهجين الرقمي والواقعي في الفن، فإنه من الصعب تقدير أفضلية أحدهما على الآخر، فلكل شكل منهما رواده، وفنانوه، حيث بقي حتى هذا الوقت، النحات الذي يذهب إلى ورشته الفنية، ليتلاعب بالصخر والطين والإزميل، وتتورم أيديه من إبراز التفاصيل ومحوها، لكنه يكون في ذروة سعادته خلال تلك المهمة، ففيها يتحقق شغفه الذي لطالما سعى إليه. 

وفي الجانب الآخر هنالك من يجد في رقمنة النحت مساحة أوسع من التجريب، وقدرة أكبر على المحو والتفصيل والاستعادة والتلاعب بالأدوات.

كما أن النحتة التي قد تستغرق شهرين أو ثلاثة في النحت الواقعي، لربما لا تأخذ أكثر من يومين في النحت الرقمي، وفي جانب الكفاءة فهذا يتحدد حسب قدرة الفنان وخبرته.

لكن النحت الرقمي المحترف، يقدم جودة غير مسبوقة، فهنالك من الفنانين، من يستخدم النهجين خلال إنتاج عمله.

ولا تتوقف المقارنات في هذا الجانب، من حيث أصالة النحت وحداثته، وهوية الفن، وإن دمج التكنولوجيا بالطبع، جعل لإمكانية التعبير مساحة أوسع، وصوتاً أكثر مرونة، كما أن البعد البصري للفن، امتلك مسرحا أكثر بعدا وابتكارا. 

النهج الحداثي للفن، يبدو في لحظة ما مقلقا حول مصير الفن التقليدي، خاصة النحت، في ظل توجه المعظم من الفنانين المعاصرين نحو الأدوات الرقمية

تداخل

إن نقطة البداية هي واحدة لتقديم النحت الواقعي والرقمي كذلك، حيث يقوم الأمر على التخيل وتحديد شكل المجسم في الخيال، ومن ثم المباشرة في التشكيل.

وفي جانب النحت الرقمي فإن الطابعات شديدة الدقة والجودة، استخدمت في طباعة الأشكال ثلاثية الأبعاد، لمجسمات، وبأقل الإمكانات، ليتمكن الفنان من البناء عليها، وإكمال التفاصيل التي يريدها، حسبما كان يمارس النحت سابقا.

كما أن أدوات النحت الرقمي أسهمت في إنتاج الشخصيات الكرتونية معقدة التفاصيل، وشخصيات أفلام الخيال العلمي، حيث استخدم برنامج " ZBRUSH"، وبرنامج التحريك "مايا" لتنفيذ تلك المهام، تلك الخطى الجبارة للرقمنة التي كانت جذور نشأتها في ستينيات القرن الماضي.

النحتة التي قد تستغرق شهرين أو ثلاثة في النحت الواقعي، لربما لا تأخذ أكثر من يومين في العالم الرقمي

استنساخ الأثر

والمثير للدهشة أن الأدوات التي يستخدمها الفنان في الواقع لإتمام مشروعه تم نسخها بالكامل في برامج النحت الرقمي.

فبرنامج مثل "MUDBOX" يمكنه تقديم نفس التأثيرات التي يستخدمها النحت الواقعي، ويمكن للفنان إنتاج التأثير على جانب واحد من زوايا العمل، ومن ثم تطبيق الأثر نفسه على جوانب أخرى، دون تكرار نفس الجهد والتعب.

النحت الرقمي.. كيف يتغير مفهوم الفن بفعل التكنولوجيا؟
نحات تمثال كريستيانو رونالدو يكرر تجربته مع غاريث بيل (صور)

نحت في الذاكرة

ويتميز النحت الرقمي في القدرة على التنقل الجسدي للفنان بعمله، وهو ما لا يمكن تحققه للفنان التقليدي، إلا بعد جهد ومعاناة، كما أن إمكانية حفظ المنحوتة الرقميةـ هي أسهل الأمور، بينما نجد أن الكثير من المنحوتات العالمية تم تدميرها ولم يتمكن الإنسان من استعادتها مثل تماثيل بوذا المدمرة في أفغانستان.

ويمكن للفنان الرقمي أن يتراجع عن خطأ قام به خلال العمل بكل سهولة، فما عليه إلا استخدام أداة التراجع، ليكون شكل المشروع كما كان، لكن هذا في الواقع يكلف جهداً كبيراً ووقتا قد يمتد لأيام. 

وتستخدم تقنيات أخرى لتنفيذ مشاريع النحت الذكية، حيث يدخل الماسح الضوئي ثلاثي الأبعاد، لتحديد شكل سطح الكائن وحجمه وإتمام عملية الإزاحة والتشكيل الجانبي والتقطيع.

يمكن للفنان الرقمي أن يتراجع عن خطأ قام به خلال العمل بكل سهولة فما عليه إلا استخدام أداة التراجع.

ملامسة وتأمل أم خيال متفجر

وهنالك من الجمهور من يرفض فكرة النحت الرقمي، ويفضل الوقوف والتأمل داخل قاعات العرض والمتاحف، لتأمل المنحوتة الواقعية، والإحساس برائحة الخشب والدهان، وهو أمر يحمل حسية أكبر.

لكن المتوسعين في التعامل مع الشاشة الرقمية الصلبة، والذين هم أنفسهم ألِفوا الكتاب الإلكتروني، يذهبون سريعاً لمعارض النحت الرقمي، ويتأملون المنتجات الفنية، دون أي شعور نشاز يواجهونه.

فهم انتقلوا من العالم التقليدي المحصور بالجغرافيا والتنقل والجهد المصاحب، إلى مساحة العالم المفتوحة في كافة الاتجاهات، وعوضوا حواس الشم والتأثر والملامسة، عبر خيال أكثر تفجرا ومطاردة للجديد في العالم.

هذا النهج الحداثي للفن، يبدو في لحظة ما مقلقاً حول مصير الفن التقليدي، خاصة النحت، في ظل توجه المعظم من الفنانين المعاصرين نحو الأدوات الرقمية.

ويضع بذلك الفن برمّته أمام الأسئلة الكبيرة حول مصير الشكل المعتاد للفن، وكيف يمكن للإنسان أن يتكيف مع التغير السريع الذي يطال كافة المجالات في العالم وليس الفن وحده.

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com