ثقافة

منها أزمة التسويق و"الشللية الفنية".. الشباب العربي أمام تحديات بالجملة لاحتراف الفن التشكيلي
تاريخ النشر: 17 أبريل 2022 9:21 GMT
تاريخ التحديث: 17 أبريل 2022 12:10 GMT

منها أزمة التسويق و"الشللية الفنية".. الشباب العربي أمام تحديات بالجملة لاحتراف الفن التشكيلي

يصطدم معظم المبدعين الشباب في العالم العربي بالواقع العملي، أمام جملة تحديات تقف عائقا أمام احتراف الفن التشكيلي. وتتنوع التبريرات لظاهرة تعثر الفنانين الشباب

+A -A
المصدر: إرم نيوز

يصطدم معظم المبدعين الشباب في العالم العربي بالواقع العملي، أمام جملة تحديات تقف عائقا أمام احتراف الفن التشكيلي.

وتتنوع التبريرات لظاهرة تعثر الفنانين الشباب في دخول سوق اللوحات التشكيلية؛ فهل يعود السبب إلى ضعف في طموح الفنان وإرادته وسعيه، أم أن واقع القطاع في بلدانهم هو من يعاني من الجمود والضعف؟

مدارس الفن التشكيلي

يؤثر الانتماء إلى مدرسة تشكيلية معينة في سوق ”اللوحات التشكيلية“، ففي فترات زمنية معينة قد يخبو بريق مدرسة ما مقابل الإقبال على مدرسة فنية أخرى، وقد يفضل سكان منطقة ”الفن الواقعي“ على ”التجريدي“ أو العكس، بناء على الموروث الثقافي للمنطقة.

ويتدخل في الذوق العام للمستهلك عوامل كثيرة أخرى؛ اقتصادية أو سياسية أحيانا، فضلا عن واقع التنمية في منطقتهم، وانتشار الثقافة البصرية في اللاوعي الجمعي أو غيابها.

وبالنسبة للشباب العربي، فإن المبدعين منهم لم يتركوا مدرسة فنية إلا وتطرقوا لها في أعمالهم، فمنهم من تخصص بالفن الواقعي، ومنهم من اتخذ الانطباعية أساسا لنتاجه الفني، ولكن على الرغم من ذلك التنوع تبقى معضلة التعثر بادية في دخول الشباب سوق اللوحات التشكيلية.

وفي حديث خاص لـ“إرم نيوز“؛ قال التشكيلي المصري محمد النادي ”أعتمد في معظم أعمالي الفنية على الأسلوب التجريدي، فأميل بطبعي إلى الرمزية التجريدية والبحث في الخامة وأسرارها، حيث أقمت معارض عدة مجسدا هذه التجارب في دار الأوبرا المصرية ومتحف بيت الزبير بمسقط“.

من جانبه؛ قال التشكيلي السوري بكر عبد الرزاق إن ”الغرابة والخيال صفتان اجتمعتا في معظم مدارس الفن التشكيلي، وبشكل خاص المدرسة الرومانسية، إذ ينقل العمل الفني إحساس الفنان الشخصي وطريقته الفريدة في التعبير عن ذاته ومكنوناته وإيصال مشاعره للآخرين، وردا على ذلك، ظهرت مدرسة جديدة في الفن سميت بالمدرسة الواقعية“.

وعبر عبد الرزاق، في حديثه لـ“إرم نيوز“، عن انتمائه الفني للمدرسة الواقعية، لأنها ”تعتمد على منطق موضوعي وتصور الحياة اليومية بتفاصيلها دون زيادة أو نقصان، والفن الواقعي يسلط الضوء على جوانب قيمة يريد الفنان إيصالها للجمهور من خلال أسلوب توثيقي للواقع الحقيقي دون غرابة أو نفور“.

تحديات الاحتراف

وعن معوقات الاحتراف؛ قال الفنان محمد النادي إن ”أبرز التحديات تكمن في تسويق العمل الفني بالشكل المطلوب، وما يفتقده معظم الفنانين هو نوافذ تساهم في ترويج أعمالهم تجاريا لشريحة الجمهور المُقبل على الفن“.

وأشار النادي إلى أن ”شريحة كبيرة من الجمهور لا تستوعب المدارس الحديثة أو السريالية أو التجريدية، ليقتصر الترويج على أعمال تنتمي إلى الكلاسيكية أو الواقعية، ويتعاقد كثيرون من الفنانين مع وكلاء أو وسطاء لتسهيل عملية ترويج أعمالهم، على الرغم من وجود منصات التواصل الاجتماعي“.

وأضاف ”الفن التشكيلي ليس مهنة بحد ذاته، لكن يمكن أن يصبح مصدرا وحيدا للدخل، وبالمقابل كثير من الفنانين التشكيليين لديهم وظائف أُخرى أو عمل مواز للفن التشكيلي“.

وأوضح أن ”الفن التشكيلي كيان كامل يتملك الفنان الحقيقي بعيدا عن زخم التسويق أو أهداف الكسب والربح منه، ولكن عندما ننظر للأمر نظرة واقعية، نجد أن الفنان يصل لمرحلة يترك فيها فنه عندما يصاب بالإحباط ولا يجد مقابلا ماديا“.

ضعف القطاع

يعاني سوق اللوحات الفنية في العالم العربي من ضعف لافت، بالمقارنة مع دول متقدمة في المجال، وقد يكون هذا الضعف انعكاسا للموروث الجمعي، وتصنف كثير من بلدان العالم الثالث الفن كـ“رفاهية“، أكثر من كونه محركا لعجلة التنمية ومحرضا للإبداع.

وفي حديث لـ“إرم نيوز“؛ قال التشكيلي السوري محمد عبد الله، إن ”التحديات التي يواجهها الفنانون التشكيليون تتعلق بالمكان، فيجب أن يكون بيئة حاضنة للفن وداعمة للإبداع وتمكينه من خلال إقامة معارض فنية مشتركة أو فردية، وتوفير فرص مسابقات ومهرجانات داخل وخارج البلد، فضلا عن تقديم الدعم من النقابات المتخصصة؛ كاتحاد الفنانين التشكيلين“.

ضعف الثقافة الجمعية

في حين أشار الفنان السوري بكر عبد الرزاق، إلى أن ”التحديات تكمن في البيئة التي يعيش فيها الفنان لأنه سيجد عددا كبيرا ممن لا يعرف قيمة الفن التشكيلي، ما يحبط الفنان ويساهم في عيشه فصاما بين بيئته والواقع وشغفه في الفن“.

وأوضح عبد الزراق أن ”ضعف سوق اللوحات يعود لغياب الوعي بأهمية الفنون التشكيلية في الحياة العامة، وانعدام الدعم المادي، وضعف الصفوف التدريبية، وعدم توفر أماكن مناسبة لإقامة معارض فنية دائمة، ومتى توفرت تلك الركائز الأساسية سنجد انطلاق مواهب لافتة“.

الفن التجاري

وقال عبد الرزاق ”أصبحت المعارض الفنية تجارية بحتة، ومن خلال تجربتي كنت شاهدا على معارض عدة تفرض رسوما معينة على الفنان المشارك دون حضور أحد، أي إقامة معرض فقط لغاية تحصيل الرسوم من المشاركين دون الاهتمام بالتسويق والإعلان لحضور عدد من الجمهور“.

وأمام واقع غير داعم في عالمنا العربي، يلجأ مبدعون شباب لإهمال النتاج الفني الراقي، وتقديم أعمال تجارية تناسب السوق ”الشعبي“ المتاح، بحثا عن مردود قد يكون ضعيفا ولكنه في المحصلة يوفر للفنان دخلا شهريا.

ووصف محمد عبد الله، اللوحة التجارية ”بعلامات محددة، وألوان فقيرة، مع غياب تناسق الأحجام وتوازي الخطوط والأشكال، وفي عالم اللوحات يوجد الهابط والراقي كأي فن آخر يحمل إما رسالة سامية أو مجرد مهنة تهدف إلى الربح السريع“.

وقال إن ”الإبداع يكمن في توظيف الشغف والموهبة مع ممارسة الرسم وإتقانه والتركيز على جعله مهنة أساسية لدخول سوق الفن التشكيلي، وبحسب تجربتي الشخصية فأنا لم أتوجه نحو المعارض الفنية وعيش حالة الفن والأضواء، بل بذلت جهدي للتسويق الواقعي لنفسي والتعاقد مع وكلاء في أرجاء البلاد، لأنجح في الدخول إلى سوق اللوحات الفنية عن طريق بيع الجملة، فأعتمد على الربح المقبول وإنتاج كميات ضخمة من اللوحات“.

معايير أكاديمية

وألقى عبد الله بعض اللوم على كليات الفنون الجميلة، التي تعتمد المعدل المرتفع دون التركيز على الموهبة، وسابقا كانت المعدلات منخفضة وتتيح للرسام الموهوب أن ينضم إلى الكلية ليصقل موهبته، لكن رفع المعدلات حد من نسبة دخول المواهب الشابة التي لا تنجح في الدراسة، فإن لم يكن الطالب متفوقا فلن يتمكن من صقل موهبته بطريقة أكاديمية.

”مافيا الفن“

وتسود في أوساط الشباب المبدع شكوى متكررة؛ مفادها أن دخولهم سوق اللوحات التشكيلية، يصطدم بجدار ظالم، يسميه بعضهم مجازا بـ ”مافيا الفن“، معتبرين أن السوق تحكمه ”شللية فنية“ تقف عائقا أمام احتراف المبتدئين.

وقال النادي إن ”جهات كثيرة تعتمد على أسماء محددة تتصدر الساحة الفنية وتتعامل معها في تسويق أعمالها وبيعها، واقتصرت هذه القائمة على الأسماء اللامعة فقط دون الاهتمام بالفنانين المغمورين واللوحات التي لم تبصر النور“.

وأضاف ”هناك عقبات خارجة عن إرادة الفنان؛ مثل عدم استيعاب الجهات المعنية لشرائح جديدة وواعدة من الفنانين التشكيليين، وغياب الدعم للمواهب الشابة والسماح لهم بالمشاركة في فعاليات تثري الحركة التشكيلية“.

وتابع ”حاولت العمل بشكل مستمر للتغلب على هذه العقبة، من خلال تأسيس مجموعة فنية منذ 2005، نظمت حوالي 20 صالونا فنيا يضم فنانين من أجيال مختلفة، وضمت المجموعة أكثر من 100 فنان تشكيلي من داخل مصر وخارجها“.

عقبات الوصول للعالمية

وعن عقبات الوصول إلى العالمية، يشتكي كثير من الشباب المبدعين العرب من معوقات السفر وتقديم نتاجهم الفني في دول أخرى حول العالم.

وقال التشكيلي بكر عبد الرزاق، إن ”إحدى أهم العقبات التي واجهتني، هي عدم قدرتي على تلبية دعوات خارجية لإقامة معارض عدة في القارة الأوروبية، وإقامتي في لبنان تحد من طموحي“.

وأضاف ”لا توجد تسهيلات للفنانين أو أذونات سفر بهدف إقامة معارض خارجية، ودائما ما أقابل جميع الفرص بالاعتذار، وأحيانا أرسل لوحتي لمعرض في دولة أجنبية، إلا أنني لا أكون حاضرا وكأن جزءا مني هناك، فلا تأخذ صدى كما لو أكون معها“.

بيئة حاضنة

وبالمقابل، وجد كثير من المغتربين في بلاد المهجر، بيئة حاضنة لإبداعاتهم، ليعرضوا أعمالهم في كبريات الحواضر الغربية، ونذكر منهم العراقية زينة المظفر، المقيمة في كندا، والسوري خالد عبدو، المقيم في ألمانيا، وغيرهما من التشكيليين العرب الذي أثبتوا حضور الفن المشرقي في الصالات والفعاليات العالمية.

ونظم التشكيليون العرب في المهجر فعاليات اتسمت بالعالمية؛ ونذكر منها ”ملتقى الفن السوري الألماني“، الذي شكل بوابة شبابية للقاء الحضارات من خلال الفن التشكيلي، ونظمه نادي ”أورنينا“ الفني، الذي أسسه مغتربون سوريون، وأقام خلال الأعوام الأخيرة فعاليات ونشاطات في مدن ألمانية عدة.

وقال منظم الفعالية، شادي أسعد، في حديث خاص لـ“إرم نيوز“، إن ”الملتقى شكل فرصة لاحتكاك الفنان السوري مع نظيره الألماني، والتعرف على تقنيات متنوعة، وكذلك فرصة للجمهور الغربي لمشاهدة الفن العربي، الذي وصفه الجمهور الألماني بأنه يتميز بألوانه وأسلوبه الأخاذ“.

وأضاف ”الفنان سفير لبلده في بلاد الاغتراب، وتكرس لوحاته بيئته، ليضيف لبلاد الاغتراب مدرسة وأسلوبا جديدا، وهو الأسلوب الشرقي العربي الذي يتميز بقوة تعبير الفنان وشخصية اللوحة الشرقية الخاص“.

ويبقى دخول الفنانين الشباب في العالم العربي إلى سوق اللوحات التشكيلية مرهونا بجملة عقبات تحتاج إلى تذليل؛ منها ما يتعلق بالتنمية والبيئة الحاضنة في بلادنا العربية التي تعاني من تتالي الأزمات المجحفة بحق الشباب، ومنها ما بتعلق بتطوير الذائقة الفنية ونشر الثقافة الجمعية، فالذائقة الفنية تحتاج إلى مران دائم لتمييز الغث من السمين، وإعطاء كل ذي حق حقه.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك