في ذكرى ميلاده.. نجيب محفوظ يواصل الإبهار – إرم نيوز‬‎

في ذكرى ميلاده.. نجيب محفوظ يواصل الإبهار

في ذكرى ميلاده.. نجيب محفوظ يواصل الإبهار

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

حين قامت ثورة 1919 في مصر، بقيادة الزعيم سعد زغلول، مطالبًا بجلاء الاحتلال الإنجليزي، وعودة البلاد للمصريين، كان كاتبنا الراحل نجيب محفوظ، قد أتم عامه السابع في الحادي عشر من ديسمبر، بحي الجمالية العتيق في القاهرة الفاطمية.

الوالد عبدالعزيز إبراهيم كان موظفًا لم يقرأ كتابًا في حياته بعد القرآن، غير حديث عيسى بن هشام، لأن كاتبه المويلحي كان صديقًا له، والأم هي فاطمة مصطفى قشيشة، ابنة الشيخ مصطفى قشيشة من علماء الأزهر.

وعاش بعد هذا التاريخ ما يناهز الخمسة والتسعين عامًا، بصوت خفيض ونبرات هادئة وزاوية إبداعية لا يبرحها في منطقة الحسين، جالسًا على مقعده الوثير بمقهى الفيشاوي الشهير، ينظر إلى الحياة والبشر، لينقل عنهما إبداعًا على شاكلة ”بين القصرين“ و“السّراب“ و“خمارة القطّ الأسود“، و“العائش في الحقيقة“ و“رادوبيس“، وغيرها ما أعطى لمولده وحياته أعمارًا قادمة.

إلا أن تلك الحياة الوادعة في كهف الأدب، لم تجعل كاتبنا الكبير في مراحل من حياته هدفًا للمعارك والصدام، ليصبح صاحب نوبل وشيخ الأدباء حضرة المتهم ”نجيب محفوظ”.

البداية جاءت مبكرة، ومع خصم معروف بشراسته الأدبية ونقده النافذ، فمن الذي يجاري المفكر الأشهر في زمانه العقاد، حينما يخرج بمنطق رفض أو قبول على عمل إبداعي أو قصيدة لشاعر؟، الإجابة تكمن بأن أديبًا هامسًا خفيض الصوت، يفضِّل أن يصغي ولا يتكلم، هو الذي فعلها ويدعى ”نجيب محفوظ“، وبدأ الاقتتال..

دارت تلك المعركة في شهور عام 1945، حينما كتب المفكر الكبير العقاد، في كتاب ”في بيتي“، بعضًا من آرائه، متصوِّرًا أنه يُجرِي حوارًا مع نفسه، وقد سألَتْه نفسُه عن سبب قلة الروايات في مكتبته، فقال لها: إن الشعر أنفس من الرواية بكثير، و“محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة“.

ثم أضاف، أن فن القصة شائع، وسط طبقات العامة الضّحلة الثّقافة، بينما عشَّاق الشعر نادرون.

خروجًا عن هدوئه المعروف وصوته الخفيض وتسامحه لكل أشكال الاختلاف، ردّ الأديب الناشئ آنذاك نجيب محفوظ، في صرامة وحِدَّة، معتبرًا ما كتبه الكاتب الكبير في السن والمقام العقاد، اتهامًا موجهًا لما يكتبه شخصيًا، ويعتبره طريق حياة، حيث كتب مقالًا اسمه ”القصة عند العقاد“.

قال في هذا المقال: ”الفن — أيًّا كان لونه وأيًّا كانت أداته — تعبير عن الحياة الإنسانية، فهدفه واحد وإن اختلفَتْ كيفيةُ التعبير تبعًا لاختلاف الأداة، وكلُّ فنٍّ في ميدانه السيدُّ الذي لا يُبارَى، ففي عالم اللون التصويرُ سيِّدٌ لا يُعلَى عليه، وفي دنيا الأصوات الموسيقى سيِّدٌ لا يُدانَى وهكذا، فالفنون جميعًا تتفق في الغاية وتتساوى في السّيادة، كلٌّ حسب مجاله، وهي في مجموعها تكوّن دنيا الأفراح والمسرّات والحريّة“.

وأضاف: ”أما عن مقياس شيوع الفن في طبقة معينة، فلا معنًى له، الموسيقى منتشرة في كل الطبقات، بينما النّحت لا يفهمه سوى قليلون، فهل النّحت أعظم من الموسيقى“.

لم يردَّ العقاد على نجيب محفوظ، واكتفى بالصمت، ربما عن تعالٍ واستصغارٍ لشأن أديب ناشئ، أو أنه رأى قوةَ منطقِ محفوظ، فكَرِه أن يعترف بأن منطقه قد هُزِم.

لعلّ أكثر اتهام واجهه الكاتب الكبير نجيب محفوظ، في حياته الإبداعيّة المديدة، كانت حينما نشر روايته الأزمة ”أولاد حارتنا“، بعد انقطاع عن الكتابة دام 5 سنوات، مع قيام ثورة يوليو 1952، بعد أن رأى أن الثورة انحرفت عن مسارها، فكتب ”أولاد حارتنا“ التي انتهج فيها أسلوبًا رمزيًا، يختلف عن أسلوبه الواقعي.

وقد قال عن ذلك في حوار: ”فهي لم تناقش مشكلة اجتماعيّة واضحة، كما اعتدت في أعمالي قبلها، بل هي أقرب إلى النظرة الكونيّة الإنسانيّة العامة“.

فمنذ أن بدأ محفوظ نشر رواية ”أولاد حارتنا“ مسلسلة في صفحات جريدة الأهرام، هاجمها شيوخ الأزهر، وطالبوا بوقف نشرها، لكن محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام حينئذٍ، ساند نجيب محفوظ ورفض وقف نشرها، فتم نشر الرواية كاملة، لكن لم يتم نشرها كتابًا في مصر.

وبالرغم من عدم إصدار قرار رسمي بمنع نشرها، إلا أنه وبسبب الضجة التي أحدثتها، تم الاتفاق بين محفوظ وحسن صبري الخولي – الممثل الشخصي للرئيس الراحل جمال عبدالناصر- بعدم نشر الرواية في مصر، إلا بعد أخذ موافقة الأزهر، فطُبعت الرواية في لبنان من إصدار دار الأداب عام 1962، ومنع دخولها إلى مصر، رغم أن نسخًا مهربة منها وجدت طريقها إلى الأسواق المصرية.

من بين المعارك التي خاضها كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، كانت مع الشاعر السوري الكبير نزار قباني، بسبب قصيدته ”المهرولون“، التي كتبها كرفض وشهادة له على ما حدث ويحدث في عملية السّلام.

ومن أبياتها: ”سقطت../- للمرة الخمسين – عذريتنا../ دون أن نهتز.. أو نصرخ../ أو يرعبنا مرأى الدماء../ ودخلنا في زمن الهرولة../ ووقفنا بالطوابير، كأغنام أمام المقصلة../ وركضنا.. ولهثنا../ وتسابقنا لتقبيل حذاء القتلة“.

أبدى محفوظ، وجهة نظره بعد أن نشرت القصيدة، في تصريح لجريدة ”الحياة“، الصادرة في لندن: ”لقد أعجبتني رغم اختلافي السياسي معها، إنني لا أنفي إعجابي بها، ومن يشارك نزار قباني موقفه، سيجد فيها تعبيرًا قويًا عن هذا الموقف، لكنه موقف يبدو أضعف من القصيدة بكثير، قصيدة قوية.. وموقف ضعيف“.

وأعرب الأديب الكبير، عن تقديره لما حوته القصيدة ضمنًا من نداء للعرب بأن يهبّوا، واعتبر ذلك أملًا نتطلع إليه جميعًا، مضيفًا: ”أعرف أن هناك من يرفضون السلام فيما لا ينادون بالحرب، ولا يقدمون خيارًا ثالثًا، فماذا يفعل هؤلاء المتّهمون بأنهم يهرولون، هل يجلسون ساكنين بلا فعل، وإذا كان البديل هو الانتظار السّلبي، فإن الطرف الآخر لا ينتظر أحدًا، وإنّما يمضي في ابتلاع الأرض“.

وجاء ردّ نزار قباني على نجيب محفوظ قاسيًا وعنيفًا، وساخرًا، حيث قال في بعض مقاطعه: ”فليعذرني عميد الرواية العربية، إذا جرحت عذريته الثقافية، وكسرت عاداته اليوميّة، وقلبت فنجان القهوة على الطاولة التي يجلس عليها مع أصدقائه، فالقصيدة ليست لها عادات يوميّة تحكمها.. أو نظام روتينيّ تخضع له، إنها امرأة عصبيّة، وشرسة.. تقول ما تريده بأظافرها.. وأسنانها.. القصيدة ذئب متحفز ليلًا ونهارًا، لمواجهة بالسلاح الأبيض مع كل اللصوص.. والمرتزقة.. وقراصنة السياسة.. وتجار الهيكل“.

ويختتم مقاله الطويل قائلًا: ”شكرًا لأستاذنا الروائي الكبير نجيب محفوظ الذي قرأ قصيدتي ”المهرولون“ فأعجبته شعريًا.. ولم تعجبه أيديولوجيًا.. أما مواقفنا الأيديولوجيّة المتصادمة في قضية السّلام، فهي بسيطة وهامشيّة، ولا تفسد للودّ قضيّة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com