قصة فيلا اليهودي ”شيكوريل“.. جريمة قتل وأشباح وهدم للتراث – إرم نيوز‬‎

قصة فيلا اليهودي ”شيكوريل“.. جريمة قتل وأشباح وهدم للتراث

قصة فيلا اليهودي ”شيكوريل“.. جريمة قتل وأشباح وهدم للتراث

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

مثل كل شيء رائع وجميل يتوارى أمام أعيننا عاجزين عن إيقاف طوفان القبح الذي كاد يغمرنا ويغرق تراثنا وهويتنا المعمارية والحضارية، بعد أن تساقطت منذ أيام الأحجار الباقية لفيلا الثري اليهودي الشهير شيكوريل، بمنطقة الرمل بمدينة الإسكندرية في مصر.

وتهاوى الباب الأمامي للفيلا، والذي تُزينه حليات معمارية إيطالية رائعة، تعود إلى أوائل القرن الماضي، مترنحًا من ضربات معاول الهدم الكئيبة، والتي صمدت أمامها الفيلا لسنوات، ببهائها المعماري الذي يرجع إلى فن الأرت ديكو الفرنسي الشهير، الذي كان سائداً في النصف الأول من القرن العشرين، ويتميز بالبساطة في التعبير، واستخدام الزخارف والحليات الهندسية والنباتية الأنيقة المبسطة.

فعلى مدى الثلاث سنوات الماضية، كانت هناك محاولات مستميتة من جانب مقاول لم يكترث لأهمية هذا الإرث المعماري الذي لا يقدر بثمن، لهدم الفيلا، ليبني على أنقاضها الحزينة، مولًا تجاريًا، بعد أن اشتراها في غفلة من الزمن الجميل من الشركة العربية للملاحة البحرية التابعة لجامعة الدول العربية ومؤسساتها.

ولكن يقظة الجيران أوقفت الهدم، وأنقذت الفيلا التي تمثل إحدى الدرر المعمارية النفيسة، حيث يرجع تاريخ إنشائها إلى عشرينيات القرن الماضي، وقام بتصميمها 3 من أشهر المعماريون الفرنسيون، ليون أزيمان وجاك هاردي وجورج بارك، حيث كان الأخير لديه مكتب هندسي في القاهرة.

وقد جاؤوا إلى مصر بسبب طرح مسابقة لتصميم المحاكم المختلطة (دار القضاء العالي)، وبالفعل فازوا فيها العام 1925، وبدأوا العمل في الإسكندرية، من خلال التعامل مع الكونت فرديناند دبانة، وقاموا ببناء مجموعة من أهم المباني، أشهرها مدرسة ”سان مارك“ على غرار المدارس البريطانية.

وسقطت فيلا الخواجة ”شيكوريل“ في نفق الإهمال والعبث بالمباني الأثرية، حينما جاءت قوانين التأميم في الخمسينيات والستينيات، وأممتها، ونزعت ملكيتها من أبناء الخواجه، لتصبح ملكًا للدولة المصرية.

وفي السبعينيات، كانت مقرًا تابعًا لرئاسة الجمهورية، بل إن الرئيس الأسبق حسني مبارك كان مقيمًا بها أثناء أحداث يناير 1977، أو انتفاضة الخبز.

لتأتي الضربة القاسية لهذه الفيلا البديعة، من قرار صادر من كمال الجنزوري، رئيس الوزراء الأسبق، بإخراجها من قوائم التراث، ورفعها من قائمة المباني الأثرية بالمدينة، وبالتالي لا يوجد ما يحول دون هدمها، بعد الحصول على التراخيص اللازمة.

وعلى الرغم من المحاولات المستميتة لكل عشاق التحف المعمارية السكندرية، من وقفات احتجاجية لعدة أيام، بواسطة المعماريين والمهتمين بالتراث والتي نجحت في بادئ الأمر، إلا أن يد الفساد والقبح انتصرت، لتأتي كلمة النهاية وينطوي الفصل الأخير من سيرة فيلات ”شيكوريل“، وحكاياتها العجيبة والتي بدأت بمقتله وظهور شبحه، وانتهت بهدم فيلته.

أما شبح الخواجه اليهودي سليمان شيكوريل، والذي يظهر في فيلته بشارع سيريلانكا بمنطقة الزمالك بالقاهرة، فحكايته تبدأ منتصف العام 1927، وتقع أحداثها في فيلا الخواجه، والتي كان يسكنها مع زوجته وبناته، وكان سليمان مشهورًا بطيبة قلبه وتعامله الودود مع الجميع، ويوم مقتله فوجئ سكان منطقة الزمالك بهذا الخبر، حيث قتل على يد بعض اللصوص الذين اقتحموا بيته، وقاموا بتخديره في حجرة نومه، وعندما قاومهم، طعنوه إحدى عشرة طعنة أردته قتيلاً.

لم يجرؤ أحد بعد وفاة الخواجه سليمان شيكوريل، على الاقتراب من تلك الفيلا، والسكن بها أو المرور بجوارها، لتظل مغلقة قرابة الثلاثين عامًا.

فروح الخواجة أبت أن تترك فيلته، فبحسب روايات مواطنين، بدأ شبحه يظهر كل ليلة وبخطوات محفوظة بعد منتصف الليل، وأصوات يسمعها كل سكان شارع سريلانكا بالزمالك، إلى أن جاءت أسرة الفنان عزت أبو عوف العام 1957 وسكنت الفيلا، وعاشت مع شبح الخواجه سليمان شيكوريل، قرابة الخمسين عامًا، ليقوموا ببيعها وتتحول إلى مبنى الملحق الاقتصادي لفرنسا.

إنه ”سليمان شيكوريل“، صاحب الحظ التعس في كل ما بنته يداه من فيلات، هو الابن الأكبر للمغامر الإيطالي مورنيو شيكوريل، الذي هاجر إلى مصر قادمًا من تركيا العام 1887، والذي اشتهر في مصر عندما أصبح عميد اليهود المصريين في القاهرة العام 1946، بعد الثري اليهودي رينيه قطاوي، وبعد أن كون وبمساعدة أولاده الثلاثة سولومون (سليمان) ويوسف وسالفاتور، إمبراطورية تجارية تحمل علامة الأسرة واسم عميدها، وهي سلسلة محلات ”شيكوريل“، من أفخم المحلات في القاهرة، التي ارتبطت بالعائلة الملكية والعائلات الأرستقراطية في مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، وبرأس مال 500.000 جنيه مصري، وكان يعمل بها 485 موظفاً أجنبياً و142 موظفاً مصرياً.

ليأتي العام 1956، ويتوقف بريق محلات ”شيكوريل“، عندما أممته الحكومة المصرية بعد العدوان الثلاثي على مصر، لتنقل ملكيتها إلى شركة بيوت الأزياء الراقية، وهي إحدى شركات القابضة للسياحة والفنادق والسينما، التابعة لوزارة الاستثمار المصرية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com