طبعة جديدة لثلاثية “غرناطة”..محاولة استرجاع الفردوس الأندلسي المفقود ‎

طبعة جديدة لثلاثية “غرناطة”..محاولة استرجاع الفردوس الأندلسي المفقود ‎

ربما تكون الروائية وأستاذة الأدب الإنجليزي الراحلة رضوى عاشور، المولودة عام 1946، بثلاثيتها “غرناطة، مريمة، والرحيل”، من جاور كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، وثلاثيته الأشهر في الأدب العربي” بين القصرين وقصر الشوق والسكرية”، فكلاهما قدم تاريخ وطن في صورة البسطاء من أبنائه داخل البيوت وخلف الحوانيت، وأثناء العمل في العطارة والأسواق والحمامات الشعبية، وإنجاب الأطفال وتربيتهم على عشق الأرض وترابها، مستبعدًا بفخر سرد تاريخ الملوك والوجهاء وأصحاب المطامع من الساسة ورجال الدين، محتفيان بكل ماهو منسي في التاريخ الرسمي والمدون بأقلام خدام البلاط والسلاطين.

منذ صدور ثلاثية رضوى عاشور، بنحو 22 عامًا، وتحديداً عام 1994، عن دار الهلال المصرية، والتي تقدمها اليوم دار الشروق في طبعة خامسة، لم تتوقف الكتابات النقدية حولها، على الرغم من مرور تلك السنوات الطويلة، فكلما صدرت طبعة جديدة يعاد الحديث مرة أخرى حول تلك الثلاثية الهامة والمؤثرة في وجدان وعقل القارئ العربي، باعتبارها رواية المقموعين، حيث يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة بطولة في عالم عدواني، يقمع تاريخاً كاملاً، حسبما قدمها الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور، في طبعتها الأولى.

وتتخذ ثلاثية “غرناطة” للروائية رضوى عاشور، من عام 1491، وشهوره المتربصة والدامية، البداية الحقيقية لأفول الوجود العربي ببلاد الأندلس، ليستمر السرد في محاولة مستميتة، لإبقاء الذاكرة العربية يقظة وطازجة بتاريخها الأندلسي المجيد، قرابة مائتي عام، لتنتهي برحيل الموريسكين أو الأندلسيين العرب عام 1609، الذين أجبروا على اعتناق المسيحية بالجبر لا بالاختيار، مع تغير أسمائهم وهويتهم وصمت الأفواه، بالحديث باللغة العربية، ليسقط الوجود العربي كله في لحظة تاريخية فارقة، وتلاشى الحلم بتسليم المدينة العربية البهية “غرناطة”، بمعاهده بين آخر ملوكها “محمد الصغير”، والممالك المتحالفة ”قشتالة وآراجون”، وحرق مخطوطات تحوي كنوزًا عربية، والحياة بالخفاء على الدين الإسلامي، وفي العلن على المسيحية.

ترقب الروائية الكبيرة، في ثلاثيتها بلغتها الشاعرية وإيقاعها متعدد المقاصد في السرد والوصف معًا، بيت “أبو جعفر” الأندلسي الخطاط بسوق الوراقين الساكن بمدينة “غرناطة” العربية، فالكتابة عن التاريخ الشخصي لـ”أبو جعفر الأندلسي” وما حل بابنه الوحيد وأحفاده وأبناء أحفاده، هو الكتابة عن الفردوس الأندلسي المفقود منذ خمسمائة عام ويزيد، وإسقاط مرير وموجع لواقع عربي أشد إيلامًا وقسوة وفرقة عما حل بالحضارة العربية الزاهرة ببلاد الأندلس.

لا توجد شخصية في ثلاثية “غرناطة” لا تبكيك على حالنا الراهن، وكأن بيت “أبو جعفر الوراق”، القابع في غرناطة هو كل بيت عربي ممزق في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، الغازي الطامع في خيراتك والكاره للغتك العربية، وإن اتخذ جنسيات متعددة وتحدث بلغات مختلفة وظهر في أزمنة متعاقبة.

في إحدى العبارات البليغة، التي جاءت على لسان علي ابن عائشة وهشام وحفيد مريمة، وحسن، أحفاد أبو جعفر الوراق بمدينة غرناطة: “أم أن مصيبتنا أننا مقطوعون بالبحر ، لا مصر جارتنا ولا حولنا عراق ولا شام، ليبقى في القلب الأمل بالوحدة والنهوض العربي من جديد”.

عائلة “أبو جعفر الوراق” تتكون من مريمة وحسن وسليمة التي أحرقوها، لمجرد أنها عملت بالطب، وداوت الناس كما أحرقوا كتب أبي جعفر من قبل.

هنا، تضع بسرد مقتضب، ولكن نافذ كالنصل إلى روحك وعقلك الروائية رضوى عاشور، يدها على الجرح العربي، ملخصة مأساتنا في زمن الكبوة وضياع الحقوق: “هل كان بوسعهم أن يصمدوا أمام سلطة، لم تكن تبحث فقط عن حكم البلاد، بل إن اجتثاث كل ما يمت للماضي بصلة! إلغاء العادات والتقاليد و الأزياء واعتبار كل متمسك بها جريمة تحدثك بالعربية جريمة، طهوك للحوم في يوم الجمعة جريمة !!، يجبرونك على اعتناق دينهم، ويخيرونك ما بين التعميد أو النفي، إما أن تؤمن بحقي في اضطهادك وإذلالك أو أقتلك، والأدلة جاهزة، فأنت إرهابي تقاوم سلطتنا، وتعترض على حقنا الإلهي في حكم أرضنا!”.

تتصدر مقاومة مريمة زوجة حسن، حفيد أبو جعفر الوراق، المشهد الروائي في الجزء الثاني من الثلاثية، بل جعلتها الروائية رضوى عاشور، يحمل ختمها واسمها، ولما لا وهي من نبتت بين أيديها حياة جديدة في ظل سلطة القشتالين الغاشمة، فجعلت الدين والعربية في القلب رمز للهوية مستحيلة الاستلاب، والإعلان عن تغيير الديانة واللغة والملبس والمأكل هو حديث المجبر لحين استرداد القوة واسترجاع الوطن، بل وحينما تم إجبارها على الرحيل ماتت في الطريق، ليدفنها في العراء حفيدها هشام، وكأنها لن تبرح الوطن ولن ينتزعه منها أحد سواء كانت حية أو ميتة.

يذكر، أن ثلاثية “غرناطة”، حائزة على جائزة أحسن كتاب في مجال الرواية لعام 1994، من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكذلك على الجائزة الأولى للمعرض الأول لكتاب المرأة العربية في نوفمبر 1995م.

كما قام ويليام جرانارا، أستاذ اللغة العربية بجامعة هارفارد، عام 2003، بترجمة ثلاثية “غرناطة ” إلى اللغة الإنجليزية، وقامت بنشرها دار نشر جامعة “سيراكوز” بنيويورك.