جمال الغيطاني.. عام على رحيل درويش الرواية العربية

جمال الغيطاني.. عام على رحيل درويش...

البداية سحارة كبيرة كان يمتلكها جده لأمه كان يعمل شيخ القرية وإمام الجامع تحوي داخلها مخطوطات للقاضي "عياض"، وأخرى للقطب الصوفي الكبير "محيي الدين بن عربي".

المصدر: نعمة عزالدين- إرم نيوز

مابين حياته التي لم تتجاوز السبعين عاماً، وبين أوراقه التي تركها وكأنه شاب عاش ألف عام، هناك العالم الحقيقي للروائي ”جمال الغيطاني”، والذي رحل عن عالمنا منذ عام.

حيوات متعددة تلك التي عاشها جمال الغيطاني، المولود العام 1945 بينما تضع الحرب العالمية أوزارها، في أسرة فقيرة في إحدى قرى صعيد مصر تسمّى ”جهينة“، فهو صانع السجاد والمراسل الحربي على الجبهة المصرية منذ العام 1967، وعاشق المعمار والبنايات والأقبية والدروب والمساجد في القاهرة الإسلامية، وقبل كل ماذكر هو الصوفي بروح الأديب صاحب التجليات والزيني بركات ودفاتر التدوين والعارف بأسفار الروح والأمكنة.

البداية سحارة كبيرة كان يمتلكها جده لأمه، كان يعمل كشيخ للقرية وإمام الجامع، تحوي داخلها مخطوطات للقاضي ”عياض“، وأخرى للقطب الصوفي الكبير ”محيي الدين بن عربي“، ليسلك الصبي الصغير ”جمال الغيطاني“ طريق المعرفة وتتكشف أمامه حجب الروح وأسئلة الوجود المربكة.

وكشأن المتصوفة الكبار، انشغل الغيطاني بفكرة الزمن وتأثيره الطاغي على المكان، ليأتي الترحيب النقدي بكتاباته المغايرة وغير المألوفة في السرد العربي في ذلك الوقت، مع كتابه الأول ”أوراق شاب عاش ألف عام“ والتي كتبها مباشرة بعد هزيمة الجيش المصري في يونيو العام 1967، وقفز بالزمن ألف عام، ليصل إلى العام 2967 وكأنه يريد أن يقرأ الزمن القادم وتجلياته من خلال تخيله لعودة المؤرخ المصري الشهير ”ابن إياس“ ليعلق على أحداث زماننا، وهو الذي عاش انكسار المماليك أمام جيوش العثمانيين ودخولهم مصر.

حيرة الروائي، جمال الغيطاني، ودورانه اللانهائي حول فكرة الزمن واللحظات، التي تنقضي ولا يمكن استرجاعها، سوى بالكتابة عنها، جعلته يرجع بالزمن هذه المرة في رائعته ”الزيني بركات“، ما يزيد على خمسمائة عام، ليحكي عن كبير البصاصين في العصر المملوكي ”زكريا ابن راضي“، وتعذيبه للمقبوض عليهم، واستخلاص المعلومات منهم بالحبس والضرب حتى وإن كانت تهما ملفقة، في إسقاط سردي سلس، لما يحدث في زماننا، وفي كل زمان من تقييد للحريات، والقبض على صوت الحق.

مقولتة الشهيرة والمأثورة عنه: ”جئنا إلى الدنيا وسنمضي عنها، وسنترك آخرين يأملون في قدوم الأيام السعيدة“، تقربنا من عالمه الروحي ونفسه القلقة من الوجود ذاته، فيتعلم الروائي الكبير، الصبر الشديد وإتقان عمله، في نسج السجاد كفن له علاقة وطيدة بالتاريخ والرمزية، فيتخصص في السجاد الإيراني القادم من منطقة بخارى، فهو خريج قسم ”نسج السجاد“ بمدرسة العباسية الثانوية الفنية، والتي أكملها بعامين في الصباغة والطباعة بكلية الفنون التطبيقية.

يحتل ”المكان“ بعمارته وحوانيته وناسه، الفضاء الإبداعي الأكبر عند الغيطاني، فمنذ جاء مع أسرته ليستقر به المقام في حارة ”درب الطبلاوي“، مجاوراً مقام سيدنا الحسين ببوابته الخضراء العتيقة التي طالما تخيل الأمير المملوكي ”عبد الرحمن كتخدا“، وهو يقف أمامها مع أهالي مصر، لينقبوا عن رأس سيدنا الحسين، وهل هو مدفون أم لا؟، والأسئلة لم تنقطع في مخيلته عن العمارة الحميمة للبشر، والحجارة التي تروي أزمنة لم نعشها، وشهدت أحداثًا لملوك وصعاليك وعوام من الغابرين، ليقبض الغيطاني على تلك اللغة التي تستدعي أجمل ما في التراث العربي بعامية مصرية مشبعة بالفصحى العربية.

وبحث بين الدروب والأزقة وواجهات الحوانيت القديمة، عن الزمن المنسي ولم يعرفه أحد، فمن داخل مساجد القاهرة الفاطمية، خاصة مسجد السلطان ”حسن“، الذي يعتبره قمة الإبداع المعماري الإسلامي، يجيء المشروع الروائي الضخم للروائي المصري، متمثلاً في ”دفاتر التدوين“، بإصدار الدفتر الأول ”خلسات الكرى“ حيث نجد أنفسنا أمام تجربة الوجود الإنساني في تجلياته المتنوعة، وكأن شكل كل حضور إنساني مرتبط بمكان ما في العالم، وبمعمار ما يميز هذه النقطة من الوجود في العالم.

يتخذ الروائي جمال الغيطاني في ”دفتر التدوين“ موقع السارد للأحداث والأماكن والشخصيات المختلفة المشارب والأنماط، فهناك وعلى مسافة من بصيرته وقلبه: أصدقاؤه في الدقي والعجوزة، وبدايات هذه المناطق التي لم يكن لها وجود قبل ستينيات القرن العشرين، وتجوله في دروب الذاكرة لاستدعاء وجوها حميمة وحبيبة للأدباء الراحلين نجيب محفوظ وكامل الشناوي وعبد الرحمن الخميسي.

يتوالى التدوين عبر دفاتر: ”دنا فتدلى“ و“رشحات الحمراء“ و“نوافذ النوافذ“ و“نثار المحو“ و“رن“ و“دفتر الإقامة“، ويستمر الإبحار في الزمن، وعبر الأماكن عن مواطنين عاديين، بحارة قابلهم في أسفاره المتعددة، ونساء جئن صدفة أو تأثر بهن.

فها هو في دفتر ”وداع أماكن“ يتحدث عن عشقه للإسكندرية وحي لوران، خاصة في الشتاء، حيث كان حلمه دائمًا ”شرفة تواجه اللامدى“ فهو لا يعرف العوم، وصلته بالبحر ”جلسة وتأمل“.

تأتي النهاية بغتة كما يقول في إحدى تلك التدوينات البليغة، معرباً عن خوفه من انقضاء زمنه المادي، راجياً المزيد من السفر داخل ذاته: ”ما تبقى أقل مما مضى، يقين لا شك فيه، أعيه، أتمثله، أعيشه، فلماذا أبدو مبهوتًا؟، مباغتًا؟ كأني لا أعرف، مع أنني المعنى والمطوي والماضي، إلى زوال حتمي؟ لا أتوقف عن إبداء الدهشة، لا أكف عن التساؤل بالصمت أو بالنطق“.

يودعنا الروائي الكبير جمال الغيطاني، إلى سفره الأخير، تاركاً وراءه كنزًا إبداعيًا يتجاوز الخمسين كتاباً لا ينفذ لكل عشاقه ومحبيه، يقاوم الزمن الذي طالما أربكه، وحاول أن يفك بعض شفراته الغامضة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com