”الحج“.. رحلة الكتاب والشعراء والمستشرقين إلى الأراضي المقدسة

”الحج“.. رحلة الكتاب والشعراء والمستشرقين إلى الأراضي المقدسة

المصدر: نعمة عزالدين - إرم نيوز

تتجه في تلك الأيام المباركة، أفئدة ملايين المسلمين صوب الكعبة المشرفة، لتأدية فريضة الحج في أيام معدودات، منهم من ينال شرف زيارة البيت الحرام، ومنهم من يبقى في قلبه أمل أن يحج يوماً ما، الجميع في قلبه شوق إلى الله سبحانه وتعالى، في تلك الأيام المباركة، ومن يقرأ الميراث الضخم من كتابات الشعراء والرحالة والمفكرين عن رحلة الحج، التي قاموا بها في تجارة روحية مع الله سبحانه وتعالى، سيكتشف أنها قمة إبداع النفس البشرية للوصال مع الله بالكلمات واللغات التي تعرفها ألسن البشر.

إلى ومن مكة المكرمة كان هناك نحو 25 عاماً، استغرقها الفتى القادم من طنجة بالمغرب، ولم يبلغ من العمر سوى 21 عاماً، وذلك في العام 1325م قاصدًا بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام، والذي سيعرف في تراثنا العربي بـ“ابن بطوطة“، أشهر الرحالة المسلمين في ذلك الزمان، حينما كانت رحلة الحج مخاطرة من يعود منها كتبت له النجاة والحياة مرة أخرى، فقد حج الرحالة العربي الشهير ”ابن بطوطة“ أربع مرات خلال ربع قرن من الترحال في بلاد الله، وصل فيها إلى أفريقيا الشرقية والهند وخراسان وتركستان وأفغانستان وكابول والسند، وعندما أراد السلطان محمد شاه أن يرسل وفدًا إلى ملك الصين، رافقه ابن بطوطة، وفي عودته مر بجزيرة سرنديب والهند والصين.

برتغاليون، إنكليز، فرنسيون، ألمان، هولنديُّون، أسبان، نمساويون، دانمركيون، وغيرهم كثير، الكل جاء إلى ”مكة المكرمة“ مدينة العابدين وقبلة العاشقين للحب الالهي، ربما كانت أسبابهم في البداية هي الفضول ومعرفة أحوال العرب، لينقلوها إلى بلدانهم، ولكن سرعان ماي أخذهم سحر ”مكة “ وروحانيتها.

ففي كتابه ”إلهام الرسول“، يندهش الكولونيل البريطاني والمؤلف الشهير ”ف . بودلي“ من شعيرة الحج وثباتها على مدار السنين، فيقدم تحليلاً نفسياً للمهابة التي كانت في شخصية النبي محمد ومشهد حج الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، رضوان الله عليهم قائًلا: ”إنّ الذين حضروا ذلك اليوم (حجة الوداع) وَعوا كل شيء، ثمّ نفّذوه على مرّ السنين“.

كما تمكن السير البريطاني ريتشارد بيرتون من النفاذ إلى زيارة مكة المكرمة بالفعل، في موسم الحج لعام 1853م، وكان في 32 من عمره، فيقول عن ”مكة المكرمة“، حينما وصلها لأول مرة: ”إننا لا نرى في مكة شيئًا مسرحيًا مصطنعًا، ولا نرى إلباس الحج لباس الأوبرا، بل كل شيء هنا بسيط ومؤثّر، ويملأ العقل بخشية الله“.

أما أول تقرير وصلنا حول رحلة مستشرق إلى الحج، كان من رجل إيطالي يُدعى “ لودفيجو دي فارتيما ”عام 1503م، حيث دخل مكة المكرمة بوصفه جنديًا في حرس المماليك، وانتحل لنفسه اسم الحاج ”يونس المصري“، ليصف الأعداد الكبيرة، والأجناس الشتى من الناس، الذين رآهم في مشهد الحج بقوله: إنني لم أرَ أبدًا تجمّعًا هائلًا احتشد في مكان واحد، كما رأيت هنا (في مكة) خلال العشرين يومًا التي مكثتُها في هذا البلد، لقد أتى بعض هؤلاء الناس بغية التجارة، وبعضهم بغية الحج طمعًا في أن تُغفر ذنوبهم، ويعودوا كيوم ولدتهم أمهاتهم“.

للشعراء العرب نصيب الأسد في محبة تلك المدينة النورانية ”مكة المكرمة“، وهناك آلاف القصائد التي كتبت في رحاب رحلة الحج، واصفة ما تعتمل به النفس الإنسانية حينما تتجه إلى الله وحده، في استغناء كامل عن مباهج الدنيا وزخرفها، فيكتب الشاعر الكبير ”علي أحمد باكثير“ واصفاً بالشعر رحلته إلى ”مكة“ حاجّاً:

خذوني خذوني إلى المسجد

خذوني إلى الحجر الأسود

خذوني إلى زمزم علَّها

تبرد من جوفيَ الموقد

خذوني لأستار بيت الإله

أشد به في ابتهال يدي

دعوني أحط على بابه

ثقال الدموع وأستنفد

فإني أحيا على لطفه

وإن يأتني الموت أستشهد

أما الشاعر ”مصطفى عكرمة“ فينطلق إلى مكة من سوريا، ليقول في شوق ممزوج بمشاعر الفرحة وطلب التوبة:

هنا أمرّغ خدي صبوة وجوى

فتهتف الحور بشرى خدك الترب

إن رأيت دموعي أنبتت حجرًا

فتلك مني دموع الفرحة العجب

وأخيراً يعد كتاب ”طلع البدر علينا“، الصادر عن دار ”الشروق“، عام 1984 للكاتب الكبير أنيس منصور، والذي وصف فيه رحلته إلى مدينة مكة المكرمة، حاجاً، من أمتع وأعمق الكتب التي تناولت تلك الرحلة الروحية، فبمسحة فلسفية يقترب الكاتب الكبير ”أنيس منصور“ من خطاياه وضعفه في محاولة للتطهر بين يدي الله، وعلى تلك البقعة الشريفة، بل يجد أننا كبشر تكمن في دواخلنا الغواية والشر وليس بفعل الشيطان وحده فيكتب في فقرة من أهم ماجاء في الكتاب: إن زحام الناس على رجم الشيطان شيء عجيب، إن الشيطان ليس أمامنا فقط، إنه ليس هناك، إنه فى نفوسنا، وليست هذه الأحجار إلا رمزًا. فكلنا لبعض شيطان .. أو كلنا هذا الشيطان“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة