بعد وفاة السيدة لوسي.. ”يهود مصر“ تاريخ على وشك الانقراض – إرم نيوز‬‎

بعد وفاة السيدة لوسي.. ”يهود مصر“ تاريخ على وشك الانقراض

بعد وفاة السيدة لوسي.. ”يهود مصر“ تاريخ على وشك الانقراض
A star of David on a gravestone can be seen at the Jewish cemetery in Berlin Weissensee on August 1, 2012. Berlin is seeking to have the Karl-Marx-Alle and the Jewish graveyard in Weissensee included in the UNESCO's World Heritage site. AFP PHOTO/CHRISTOF STACHE (Photo credit should read CHRISTOF STACHE/AFP/GettyImages)

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

بوفاة السيدة لوسيان ساول، الشهيرة بـ«لوسي»، إحدى السيدات اليهوديات السبع المتبقيات من الطائفة اليهودية في مصر، ودفن جثمانها في مقابر البساتين منذ ثلاثة أيام، حيث وافتها المنية بالمستشفى الإيطالي بمنطقة العباسية بالقاهرة دون صلاة، لعدم وجود حاخامات يهود، تطوى صفحة حية من دفتر تدوين الذاكرة اليهودية عن الوطن مصر، ولتصبح يوميات السيدات اليهوديات الست المتبقيات آخر ما سيبقى من إصرار يهودي على البقاء في حضن الوطن، واعتراف من لحم ودم أنهن سيدات يهوديات عشن سنوات العمر بحلوها ومرها كمصريات المولد والنشأة والممات، وأن تاريخ يهود مصر لا زال حيًا يتنفس في الصدور والعقول، يحكي عن طائفة من عشرات الطوائف التي كانت تسكن بر المحروسة في دعة وسلام لا فرق بينهم وبين الآرمن واليونانيين والايطاليين وكل من جاء إلى المحروسة وشرب من نيلها، فقرر ألا يتركها أبدًا.

cbd07b24-5962-4ec0-97e7-0f041094fc95

ولطالما داعبت المخيلة الإبداعية المصرية، فكرة الكتابة عن تاريخ اليهود المصريين، وهناك عشرات الكتب والروايات التي تناولت التواجد اليهودي في المشهد الاجتماعي والسياسي المصري منذ بدايات القرن الماضي وحتى اللحظة الراهنة، فجعبة الكتابة مليئة بالحكايات والأسرار، عن يهود مصر.

ولعل أولى تلك الروايات التي تناولت اليهود في مصر في فترة الأربعينيات، وقدمت نمطًا مختلفًا عن النمط الذي قدمته العديد من الروايات والأعمال السينمائية، خاصة في مدينة الإسكندرية، كانت رواية ”آخر يهود الإسكندرية“ للمخرج معتز فتحية، والتي صدرت عن دار ”اكتب“، بعد أن نفدت طبعتها الأولى، إذ أبرزت حالة التعايش والمحبة التي كانت سائدة بين المصريين قبل ثورة يوليو عام 1952، حيث كان المصري فقط مصريًا مهما كانت ديانته.

b9efad6b-f2c9-444e-8e09-bcdfe5cfccca

في النصف الأول من القرن العشرين، كان يعيش في مصر حوالي 75 ألف يهودي، وبعد حرب عام 1948 أصبحت حياتهم أكثر صعوبة، فهاجر كثيرٌ منهم إلى أوروبا.

ويمسك الروائي وضابط الشرطة السابق كمال رُحَيِّم، بتلك المعلومة التاريخية المؤثرة عن يهود مصر، فيقرر أن يكتب أول جزء في ثلاثية روائية مدهشة، بعنوان ”يوميات يهودي مسلم“ كذكرى ليهود مصر، والتي صدرت عام 2004، وترجمت إلى الإنجليزية، ليصدر الجزء الثاني بعد أربع سنوات، بعنوان ”أيام الشتات“، وترجم إلى الإنجليزية عام 2012، والجزء الثالث ”أيام العودة“ صدر في العام نفسه، ولكن حتى الآن باللغة العربية فقط.

الروائي كمال رحيم، لا ينحدر من أبوين أو أجداد يهود، إذ يقول ابنه أحمد، إن والده منذ فترة طويلة يعتبر اليهود العرب جزءًا هامًا من المجتمع العربي، لذلك أراد أن ”يكتب كتابًا من أجل أن يتعرف المصريون على هذا التراث والحفاظ عليه في ذاكرتهم“.

تتناول الثلاثية الاستعداد النفسي للتقرب من شخصيات يهودية معقدة ومثيرة للاهتمام في حد ذاتها، وعدم تسليط الضوء على الصراعات السياسية المعاصرة.

ومن خلال قصة جلال ”اليهودي المسلم“، حيث عائلة والده مسلمة، ووالدته يهودية، وعلاقته بوالدته اليهودية من وجهة نظره، والتي شابها الكثير من التوتر والجفاء بعد وفاة والد جلال المسلم في حرب السويس عام 1956، دون أن يرى ابنه جلال الرضيع، فعلى الرغم من ارتباط بداية الرواية بلحظة تاريخية فارقة في تاريخ مصر المعاصر، لا تكاد تتطرق الرواية إلى التاريخ الرسمي، بل بدلًا من ذلك تركز على التجارب الشخصية لأبطالها، وخاصة الصراعات الدائرة بين جلال ووالدته.

هناك أيضًا عدد من الكتب الهامة التي صدرت خلال السنوات العشر الماضية، ترصد وتحلل الطائفة اليهودية في مصر، كيف كانت وفيما أصبحت، ليأتي كتاب الدكتور محمد أبو الغار، «يهود مصر من الازدهار إلى الشتات»، في مقدمة تلك الكتب، إذ يلقى المؤلف الضوء الكاشف على أن اليهود لعبوا دورًا مهمًا في مصر الحديثة، التي يمكن أن يُعد قدوم الحملة الفرنسية نقطة بداية لها، وكانت دعوة نابليون اليهود إلى الوقوف في صفه ومساعدته وما أبداه من تعاطف مع فكرة إعطاء وطن قومي لليهود، هي أول بادرة في هذا الاتجاه من قوة أوروبية كبرى.

هناك كذلك كتاب «يهود مصر 1922- 1956» للدكتور رشاد رمضان عبدالسلام، والذي هو في الأصل أطروحته للدكتوراه، إذ يكشف عن أوضاع اليهود في مصر، وطبيعة علاقتهم بالحكومة المصرية.

واستخلص رشاد، عددًا من النتائج المهمة، منها أن الطائفة اليهودية في مصر شهدت نموًا عدديًا عن طريق الإنجاب والهجرة إليها، نافيًا أن تكون حارة اليهود الموجودة في مصر، دليلًا على أنهم عاشوا في معزل أو (جيتو) كما عاشوا في أوروبا من قبل، مشيرًا إلى أن نشأة الحارة كانت عفوية ومن نصيب الفقراء، أما أغنياء اليهود فقد عاشوا في أرقى أحياء القاهرة والإسكندرية بغير تمييز أو حدود.

وأخيرًا، يأتي كتاب ”لوسيت لاجنادو“، الصادر عن ”هاربر كولنز“ للنشر بالولايات المتحدة، بعنوان ”الرجل ذو البذلة الشركستين“، أو ”قصة خروج عائلتي من القاهرة إلى العالم الجديد“.

”لوسيت“ هي ابنة اليهودي المصري ليون لاجنادو، أحد رجال الأعمال في مصر الأربعينيات، وقد اختارت أن تكتب ذكريات العائلة عن وطنها الأم الذي خرجت منه مع عائلتها مضطرة عام 1962، وهي حاليًا تعمل كاتبة ومحققة بجريدة ”وول ستريت جورنال“، إحدى أكثر الصحف الأمريكية انتشارًا.

ويقدم الكتاب متعة حقيقية للقارئ، ينقله زمنيًا لتفاصيل الحياة اليومية للعائلات اليهودية المصرية، خلال عهد الملكية، مع وصف تفصيلي للقاهرة ومبانيها وأحيائها وفنونها وحركات المثقفين فيها.

وقد اختارت الكاتبة تعبير ”الرجل ذو البذلة الشركستين“، تعبيرًا عن أناقة والدها وثراء عائلتها، حيث كانت تلك النوعية من الملابس قاصرة على أبناء الطبقة الأرستقراطية.

f8209572-5149-4b59-8cce-b55c402ed356

والكتاب مليء بصور اليهود المصريين كمثقفين سَمحين أحبوا مصر وبكوا وهم يغادرونها مجبرين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com