“محمد إقبال”.. شاعر الإسلام الأعظم وفيلسوف المتصوفة

“محمد إقبال”.. شاعر الإسلام الأعظم وفيلسوف المتصوفة

المصدر: نعمة عزالدين - إرم نيوز

في صبيحة يوم 21 أبريل العام 1938، وتحديداً في تمام الساعة الخامسة صباحًا، ودعت الهند بجميع طوائفها، من مسلمين وهندوس، مفكرين وأدباء بسطاء، وقادة، شاعرها الكبير محمد إقبال، فعطلت المصالح الحكومية وأغلقت المتاجر أبوابها ليرثيه شاعر الهند الشهير “طاغور” في كلمات عذبة تقطر حزنًا وألمًا قائلاً: لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن، الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند .

ولكن ما هو سر عظمة “محمد إقبال” الذي بكته القارة الهندية كلها ورأى فيه طاغور، جرحًا لا يندمل ومصيبة تفوق احتمال الهند؟، الإجابة تكمن في قراءة وتأمل الرحلة الروحية والفكرية للشاعر الكبير الذي استطاع أن يجعل من أشعاره وفلسفته ودراساته التي قاربت العشرين مؤلفًا، رسالة سلام ومحبة للدين الإسلامي وفهم عميق لأحكامه، حيث كتب في مجال الاقتصاد والسياسة والتربية والفلسفة والفكر.

ويقول عنه الشيخ أبو الحسن الندوي: “من دواعي العجب أن كل هذا النجاح حصل لهذا النابغة، وهو لم يتجاوز 32 عامًا من عمره، ومن بين كتاباته الهامة: رسالة المشرق (بيام مشرق)، زبور العجم (زبور عجم)، (والآن ماذا ينبغي ان نفعل يا أمم الشرق)، الفتوحات الحجازية (أرمغان حجاز)، صلصة الجرس (بانك درا)، أسرار معرفة الذات (أسرار خودي)، رموز بيخودي (أسرار فناء الذات)، ولقد تأثر بمدرسته في الأدب العربي، عددًا من الأدباء العرب، الذين مزجوا بين الإسلامية والفلسفة وهم : مصطفى المنفلوطي، أحمد أمين، مصطفى صادق الرافعي، عمر بهاء الدين الأميري وآخرون.

وأعاد إقبال قراءة القرآن الكريم ومحتواه وفق رؤية كونية، كوَّنها من قراءاته العديدة ومن أساتذته، فلم يقتنع فقط بالحضارة الغربية وفلسفتها وهضمهما معًا وإنما عاد لاجتهادات الأشاعرة وفخر الدين الرازي وابن خلدون وحتى الطوسي، وبدأ يفكر كيف يستطيع أن يستوعب الإيمانُ العلمَ، دون التَّضاد والتناقض بينهما، التناقض الذي تقوم عليه الحضارة الغربية.

إنَّ فلسفة إقبال، يمكن تلخيصها في أنه حاول وضع المعرفة الدينية (بأبعادها الدنيوية والروحية المتعددة)، في صورة علمية قابلة للتجدد والدينامية، التي يفرضها عليه الواقع في العصر الحاضر، ولم تمنعه خلفيته الدينية والصوفية، من الاستشهاد بفلاسفة مثل هنري برغسون وغيره، وتحليل فلسفة نيتشه، أو الحديث عن كانط وديكارت، وقد تناولت المستشرقة الألمانية الشهيرة “آنا ماري شيمل” فلسفة وفكر “محمد إقبال”، فوجدت أنّهَ نهل من ثلاثة مناهل ثقافية، هي التي شكلت رؤيته للكون والعالم.

ويقول إقبال عن نفسه: “كنت أقرأ القرآن مثل بقية المسلمين، أردده وأكرره بلا تدبر، ولا تأمل، حتى دخل علي والدي، وكان عالمًا جليلاً، وأنا أقرأ القرآن بشرود قلب وغفلة، فأمسكني وهزني وقال: يا محمد، اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك، فكنت بعدها كلما قرأت، تسابقت دموعي مع وقع الآيات في قلبي” .

لقد أتاح القدر لإقبال، الذي نشأ في أسرة مسلمة محافظة، فرصة دراسة العلم الشرعي، وحفظ القرآن الكريم، ما انعكس على شعره، الذي حمل جملة كبيرة من معاني الدين، من أخوة وأخلاق وعقيدة وسلوك.

لذلك كان الشاعر الكبير محمد إقبال، هو الملاذ الروحي لنحو 500 مليون مسلم في شبة القارة الهندية، ما دفعه للمطالبة باقامة دولة مستقلة لهم، وذلك عام 1931، وهو ما تم بالفعل بعد رحيله بنحو تسع سنوات، على يد رفيق كفاحه محمد علي جناح، مؤسس باكستان .

عاش الشاعر والفيلسوف الكبير محمد إقبال، فقيرًا، تزوج ثلاث مرات (توفيت له زوجة وابن)، وله ابن وابنتان، ضعف بصره في نهاية حياته حتى أنه كان لا يستطيع أن يتعرف على أصدقائه، فهو من قال: أنا مسلم، ومن شأن المسلم أن يقابل الموت مبتسمًا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع