ياسين رفاعية يغادر بيت نار الحياة ولمّا يكتمل الرغيف

ياسين رفاعية يغادر بيت نار الحياة ولمّا يكتمل الرغيف

المصدر: محمد جميل خضر- إرم نيوز

من عامِل في مخبز والده قريباً من سوق الحميدية الدمشقي خمسينيات القرن الماضي، انتقل الأديب السوري الراحل ياسين رفاعية (1934- 2016) إلى عالم الأدب والكتابة بعدما لاذ إلى سحر الورق الأصفر، وأسرار المجلدات والمخطوطات والكتب التي كانت تقع بين يديه تلك الأيام.

تجربة متقلبة بين التقدم والتأخر، الرفض والقبول، الحماسة والنكوص، حكمت مسيرة ممتدة على مدى 56 عاماً منذ أصدر رفاعية أول كتبه ”الحزن في كل مكان“ في العام 1960.

قد لا يكون رفاعية قد حقق على صعيد القصة القصيرة ما فعله ابن بلده زكريا تامر، ولا ابن النيل يوسف إدريس، ولا أسماء عربية لامعة أخرى، ولكنه حافظ خلال مسيرته على عصامية لا لبس فيها، وإن اضطر في أعوامه الأخيرة للتراجع عنها قليلاً لصالح محاباة النظام في دمشق كما يكشف الروائي السوري خيري الذهبي الذي يأخذ على رفاعية صاحب رواية ”العصافير“ الصادرة منذ العام 1979 في ثلاث طبعات، هذا التراجع غير اللائق وكان عندها عند مشارف الثمانين.

الذهبي يشير في اتصال لموقع إرم نيوز معه إلى حوار أجراه عادل أبو شنب مع رفاعية ونشر في مجلة ”المعرفة“ التي تصدر عن وزارة الثقافة السورية، ويقول إنه معجب بصراحة رفاعية في الحوار، وعدم خجله من الإشارة إلى طفولته الفقيرة، وعمله المخلص مع والده في المخبز القريب من المرجة والحميدية هناك عند أبواب دمشق القديمة.

في المقابلة تلك، يروي رفاعية قصة حدثت معه عندما كان نائباً لرئيس تحرير مجلة ”المعرفة“، حيث كان يتلقى مواد إبداعية ركيكة من مصياف يرسلها مشارك اسمه سليمان الخس، ولضعفها وعدم أهليتها للنشر في المجلة، كان يركنها رفاعية في الدرج أو يلقيها في سلة المهملات، وما هي إلا أيام وإذا بسليمان هذا يعيّن وزيراً للثقافة، ليكون أول قرار يتخذه استبعاد رئيس تحرير المجلة ونائب رئيس تحريرها، ليعود رفاعية كما يروي، إلى مخبز أبيه، وفي أحد الأيام أتته دعوة من إحدى السفارات ليشاركها الاحتفال بيومها الوطني، لبى رفاعية الدعوة كما يسرد، وبينما هو واقف مع رفيق له لمح وزير الثقافة سليمان الخس يدخل صالة الاحتفال، فأدار ظهره حتى لا يضطر لمواجهته ولا حتى معاتبته، وإذا بيد تربت على كتفه استدار وإذا بها يد الوزير الذي بادره بالقول: (شو يا لسه ما جعت لهلق). رفاعية الذي لا يورد في الحوار ماذا كان رده على الوزير، يعلق على الحادثة قائلاً: ”كانوا يريدون المثقفين السوريين جياعاً عند أبوابهم“.

خيري الذهبي لا يرى أن رفاعية ترك أثراً لافتاً، دون أن ينكر مثابرته وعصاميته، ويقول: ”لم أقرأ له ما يدهشني، وفي أحايين كثيرة كنت أشعر أن ما قرأته له قد قرأت ما  يشبهه قبله“ في إشارة إلى تمنع الريادة عن رفاعية (حكّاء الحزن) كما يصفه بعض النقاد.

بعيداً عن رأي الذهبي، فإن هناك من يرى أن رفاعية خط مع رفيق دربه زكريا تامر، ما يعرف بـ“القصة السورية“ الحديثة، وأنه من أهم الأصوات العربية في القصة القصيرة.

ولو كنت سأحاكم رفاعية من خلال قصته المنشورة بتاريخ 26 إبريل/نيسان 2006 في صحيفة ”تشرين“ تحت عنوان ”مفارقتان“، فإنني سأنحاز لرأي الذهبي، فالقصة التي كتبها بعد كل هذه التجربة والإصدارات والمسيرة الممتدة، تحتوي كلاسيكية مفرطة، وعادية في قفلتها، حتى إنه يذيلها بعبرة على طريقة المنفلوطي والرافعي وأحمد أمين.

يسرد رفاعية في ”مفارقتان“ قصة فتاة جميلة في العشرينيات من عمرها، جاورته في الطائرة التي أقلتهما نحو لندن، ليتبين بعد حديثها معه أنها ذاهبة للزواج وإلى فرصة عمل مهمة زفها إليها عريسها الذي ينتظرها هناك، في حين أن بطل القصة ذاهب كي يلقي النظرة الأخيرة على ابنته التي وافتها المنيّة هناك، والمفارقة هنا ميلودرامية قليلة الدهشة وتوتر المعنى. رفاعية يذيّل القصة بتلك الموعظة/ الهمسة: ”الفرح لا يدوم طويلاً، لكن الحزن ‏يأخذ دائماً مداه إلى الأبعد“‏.

رفاعية سجل خلال مسيرته الإبداعية والمهنية حضوراً صحافياً لافتاً، ويشهد له إجراؤه حوارات طويلة وعميقة مع أهم الأدباء والكتاب من مجايليه. وشكل بيته في شارع الحمراء البيروتي، مكان التقاء لأدباء وشعراء سوريين وعرب، ساهمت دور النشر البيروتية وصحافتها في انتشارهم، قبل أفول هذا الدور وتراجعه. ”ولا تبدو تجربة رفاعية، على توسعها، إلا تأكيداً على تفرده“، كما يرى الكاتب صهيب أيوب من مقرّه الباريسيّ.

أزيد من 20 كتاباً بين القصة والرواية والديوان الشعري وقصص الأطفال، أنجزها رفاعية خلال ستة عقود من الكتابة بجمر الناس وأحوال رغيف خبزهم، وهو الذي خبز توهجه حارّاً وراكضاً نحو أفواه الفقراء بعد خروجه من بيت النار في فرن أبيه.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com