زياد العناني.. وشاح حزن اختار البقاء في ”خزانة الأسف“

زياد العناني.. وشاح حزن اختار البقاء في ”خزانة الأسف“

المصدر: محمد جميل خضر- إرم نيوز

أعوام طويلة مريرة مرّت دون طائل، منذ تعرض الشاعر الأردني زياد العناني لجلطة دماغية أقعدته الفِراش، قبل أن تتفاقم أموره الصحية لتصل بتداعيات متعلقة بارتفاع السُكَّر في الدم لبترٍ محزن ”لي قدمٌ ثالثةٌ تمشي في عشبِ الرغبةْ وتنامُ معلقةً هُنَاكْ من علِ“، وهو الذي كان بكى بتراً مشابهاً تعرضت له والدته قبل رحيلها:

”أُمي دوخها السُّكرُ

بتروا قدميها

أُمي

أُمي

أُمي

ماذا عني

كيفَ سأبحثُ عن جنةِ ما قالوا

تحت الأقدامْ“.

حكاية دراماتيكية عميقة المعاني، مؤلمة التجليات يدونها العناني صاحب سبع مجموعات شعرية بدأها بـ“خزانة الأسف“ التي يبدو أنها تمددت لتصبح مدونة قدره، وقيثارة تقوقعه الطويل البال.

يدونها بحكايتيه: الخاصة والعامة، وبتقاطع هذين البعدين وتداخل مفاعيلهما وتصاريفهما. ويرسم صورة اللحظة بأدق تفاصيلها، فإذا بها لوحة عصية على التقليد، صعبة المراس، لا تشبه سواها، ولا تبالي بالثورة على الإيقاع، أو الاندفاع الممضي نحو نثرية القصائد المتزاحمة في سوق لا تشريع يضبطه، أوعين ثالثة تحدق في مراميه.

على صفحته بفيسبوك يطلُّ كل فينة وأخرى صديق أو مبدع أو مدّع.. ينادون.. يعبرون عن اشتياقهم.. يسألون: أينك يا زياد؟ وهكذا تمضي الأيام، دون أن تتذكر رابطة الكتاب الأردنيين الشاعر الذي حقق مكانة عربية مهمة، حتى إن ملتقى لقصيدة النثر عقد قبل أيام دون أي إشارة من قبل الأوراق النقدية التي قدمت في الملتقى لتجربة زياد العناني المختلفة والمغايرة على صعيد قصيدة التفعيلة، وشكل تقاطعها، عنده، مع قصيدة النثر.

قصائد كثيرة مسكونة بوجع عميق، وتمرد لا ينتهي، وتأمل وجوديٍّ كونيٍّ يحفر فوق مجسات المعنى، وصخور الطريق إلى الخلاص، ينشرها العناني بين الفينة والأخرى على صفحته، بعضها ينطلق من الخاص ليحمله أثراً عاماً يقرأ المتلقي فيه تقاطعاً فذاً مع الخصوصية المتعلقة بالمرض وانعدام الأفق وصمت الصخب الذي كان يميز حياة العناني، ويملأ لياليه بالحياة والرفاق والتمرد على مختلف عناوين القمع والممنوع والحرام: 

”أدر أيها النادل

واسق من حنَّ

ومن مال برأسه

نحو البكاء.

أدر..

لا عليك من الندم..

ماذا تريد أيها الندم؟

وماذا يفعل المرء في لحظاته الأخيرة

أو كيف يودع العالم بسواك؟

هي شهقةٌ

من بياضٍ

ثم أنسى

كيف كوفئ قلبي بالخسارة

والمرض.

أنا الخسارةُ ..

أنا الخسارة كلها

أدر

أدر..

بعد قليلٍ

سأرفع كلتا يدي

عالياً

عالياً

ثم أنسحب“.

”خزانة الأسف“، ”مرضى بطول البال“، ”تسمية الدموع“، ”في الماء دائما وأرسم الصور“، ”زهو الفاعل“، ”شمس قليلة“، و“كمائن طويلة الأجل“، دواوين أصدرها العناني جميعها قبل هجعة المرض، ولاقى مردوده الشعريّ النبيه واللماح داخلها تفاعلاً عربياً لعله أكثر من التفاعل المحلي مع شعرية زياد وخصوصيته المتمكنة من المفردة والصورة بشكل لا يجارى في كثير من الأحيان.

عن غضب الشعوب، وآليات القمع الرسمية المتشابهة في كل مكان وزمان، يكتب العناني:

”الهراواتُ

التي تجوبُ الشوارعْ

مجرد

أشجارٍ تبكي…..“.

العناني الذي عمل زمناً ليس قليلاً في سلطة المياه التي تحولت إلى شركة في زمن الخصخصة، يحضر الماء قوياً في كثير من قصائده:

”أسمع الآن مائي

يرقصُ بين أعضاء النعومةِ

مثلَ ثعبانٍ قديمْ“.

إنه حضور نافدٌ نحو حرقة المعاني، وجوقة التناقضات، وفيه، يعاين العناني صراع العناصر:

”في كلّ مساءٍ

أجلس مع جملة أركان

تتحدث عن أصل النار

عذاب النار.. سعير النار

رماد النار- غذاء النار

وأعود إلى مائي“.

”ما أوسعَ البيت!!“ يا زياد، وما أضيق الغرف التي لا تتسع لنبض فكرة، ما أكثر الغثاء، وما أقل الأصدقاء والنبلاء، وما أندر الخصوبة الوارفة، حيث واحدٌ: ”واحدٌ فقطْ، يخترق البويضة، ويسقط في خزانة الأسف“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com