الحدس وميضٌ من معرفة عفوية لا يخضع لوظيفة العقل

الحدس وميضٌ من معرفة عفوية لا يخضع لوظيفة العقل

المصدر: مدني قصري - إرم نيوز

يقول برنار بودوان، مؤلف كتاب ”كيف تطور حدسك“ إنّ الحدس وظيفة يصفها الناس في كثير من الأحيان بالحاسة السادسة.

ويرى علماء النفس أنها لغة سرية يجب أن نُنصت إليها ونسعى لترويضها. 

لا شك أنّ الكثير من الناس لا يؤمنون بالحدس، لأنه لا يخضع للعقل، ولكن هناك الكثير من الناس أيضًا الذين يصفون الحدس بالشيء الغامض الذي يحسّون به ولا يجدون له تفسيرًا.

شيء حميم

كثيرًا ما يحدث أن نحصل على وميض من المعرفة العفوية من دون المرور عبر وظيفة العقل. فعند دراستنا لهذه الظاهرة نكتشف وندرك أنها في المقام الأول شيء حميم جدًا، كامن في ذات كل واحد منا.

فالحدس نوع من المعرفة التي تنبثق بشكل مفاجئ، وهو في الواقع علاقة بين العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.

عفوية

يرى أخصائيو الوظائف اللاشعورية أنّ الحدس ينشأ عفويًا عندما نكون في وضع معيّن ومعقد لا نرى فيه مخرجًا، حيث تنبثق فينا فجأة صورٌ أو أفكار أو مشاعر تتجلى في رؤى مختلفة بخلاف ما كنّا ننتظره أصلاً.

يقين مطلق

وبوضوح أكثر يقول هؤلاء إنّ الحدس يعطينا معلومة محددة يرافقها يقينٌ بأنها المعلومة التي ننتظرها. ومن المهم أن نعرف أن ثمة ألوانًا من الحدس. فهذه الألوان قد تحدث في اليقظة، أو في أحلامنا أثناء النوم، أو في أحلام اليقظة.

ناهيك عن أنّ الحدس ليس مقتصرًا على فئة معينة من الأشخاص، وإنما يطال جميع الناس بلا استثناء، من الأطفال والكبار، ومن الرجال والنساء.

ويضيف هؤلاء الخبراء أنّ القاسم المشترك لألوان الحدس هو أننا لا نملك أي سيطرة عليه، بل يفضَّل أن نُنصت إليه ونوليه اهتمامنا لأنه اليقين المطلق، حتى وإن عجزت حواسنا العقلانية عن تفسيرها.

دور نوعي

يقول برنار بودوان ”للحدس دور نوعي. فهو يفتح أعيننا على وضعية خاصة. فعندما نكون أمام خيار حاسم نجدنا فجأة نتخذ قرارنا وفقًا لحدسنا. وكثيرًا ما يكون حدسنا الأول هو المُصيب“.

النساء أقوى حدسًا

يؤكد بودوان أن النساء أكثر حدسًا من الرجال، والسر في ذلك أن النساء يملكن طاقة أعلى من الرجال على إدراك الأشياء المنبثقة من أعماق الذات، وأكثر استقبالاً وتأثرًا بالأحاسيس والارتجاجات النفسية العميقة، وبالأشياء الكامنة.

فلا غرو أن نسمع الأمهات يقلن أحيانًا قبل حدوث أمر ما ”إن قلبي يحدثني بأن هذا الأمر سيحدث قريبًا“.

لكن هذا لا يعني أن الرجال لا يملكون هذه الحاسة السادسة، وخير دليل على ذلك أن كبار المخترعين والمبدعين كثيرًا ما يلجأون إلى الحدس فيما يبتكرون ويُبدعون.

مخزون مختلف

يقول برنار بودوان ”إن جميع الناس لا يملكون نفس المخزون الكامن من الحدس، والسبب في ذلك، ببساطة، أننا لا نعيش كلنا في نفس مستوى الحالات النفسية“.

معيقات الحدس

يقول بودوان إنّ هناك عوامل مُحبطة ومعيقة للحدس، كالخوف من أن نفقد سيطرتنا على أنفسنا، أو نكون متشائمين، أو أن تكون لدينا مشاعر مكبوتة. لذلك لابدّ من أن تتوفر الأرضية المناسبة، والمناخ النفسي الملائم لكي ينمو الحدس فينا ويصبح طليقًا“.

ويضيف بودوان  المشكلة أن الكثير من الناس يجدون صعوبة جمة في الاقتناع بأن الحدس ظاهرة قائمة بذاتها، وظاهرة لا حول ولا قوة لنا فيها، ولذلك وجب علينا أن نوليها ما تستحقه من اهتمام، وأن ندرّب أنفسنا عليها، لما تحمله من إمكانات لا غنى لنا عنها في حياتنا اليومية، وفيما نخطط له من مشاريع لمستقبلنا.

لغة سرية

البعض يخافون من الحدس فيسارعون إلى كبته بدافع الخوف أو التشاؤم، أو بوصفه بـ“اللامعقول“، لأنهم لا يجدون لتفسيره سبيلا بالاعتماد على أدواتهم العقلية.

فالحدس في رأي الباحث برنار بودوان لغة سرية، وهو جزء من أسرارنا الحميمة التي نحرص على إخفائها. لكنْ مهما فعلنا يظل الحدس استعدادا فطريا في أعماقنا، وجزءا لا يتجزأ من ذواتنا.

ويقول ”إن تعذر علينا برمجة الحدس فإننا نستطيع أن نضع أنفسنا في وضعية ملائمة تساعد على انبثاق عملية الحدس فينا“.

 

الحدس دليلنا

ويرى بودوان أن الحدس دليلنا، وهو بالتالي نمطٌ نوعي من المعرفة. بمعنى أنه يأتي دائما كردّ على أحاسيسنا.

ولكن، من أين يأتي الحدس؟ فهل هو قادم من عالم الروح؟ ويجيبنا برنار بودوان قائلا ”إذا كنت تتحدث عن الروح من الزاوية الدينية الصرفة أقول لك ”لا، لا علاقة للحدس بالدين“. لكن بالمعنى الأعم يظل الحدس بابا واسعا لانفتاح العقل على آفاق جديدة لا يجدها في الكتب، ولا توفرها له مدرجات الجامعة.

لقاء مع الذات

يرى بودوان أن الحدس لقاء عميق مع الذات، والأهم من ذلك أن تنمية الحدس صارت اليوم جزءا من التنمية الشخصية التي تلقى اهتماما كبيرا في بلاد الغرب.

ويتابع أن المرء لا يستخدم سوى جزء ضئيل من دماغه. ففي العادة لا يستعمل الإنسان سوى حواسه الخمس، ولكن أحيانا يجد نفسه فجأة أمام حاسته السادسة، فيقرّها ويعتمدها، أو يلغيها ويكبتها.

رأي يونغ 

يقول المحلل النفسي كارل غوستاف يونغ ”إن الحدس، بصفته وظيفة لاعقلانية هو بمثابة إدراك يعْبُر إلينا عبر قناة اللاشعور. لست أعرف كيف يعمل الحدس، لكنني على يقين من أنه حقيقي، ويمكن أن يكون قاعدة للانطلاق واتخاذ القرار“.

متاح مجانًا

يرى بودوان أنه من مصلحة كل واحد منّا أن يفتش عن الجزء الخفي في أعماقه. فهو متاح ومجانًا. ناهيك عن أنّ توظيف الحدس قد يوفر عنّا متاعب كثيرة.

فالسائق الذي يملك حدسًا بإمكانه أن يتفادى حادثًا مميتًا، لأنّ الحدس يُنبئه بحركات السائقين الذين أمامه، أو بالخطر قبل وقوعه. والمرأة التي توظّف حدسها يمكن أن تتفادى قبل فوات الأوان، الخطيبَ السيئ ولا تنخدع بوعودٍ معسولة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة