تيسير السبول.. أحزان صحراوية وصدى طلقة لا يزال يتردّد

تيسير السبول.. أحزان صحراوية وصدى طلقة لا يزال يتردّد

المصدر: محمد جميل خضر - إرم نيوز

صدى الطلقة التي وجهها الشاعر والروائي الأردني الراحل تيسير السبول (1939- 1973) ذات مساء خريفيّ مثقل بالأحزان باتجاه رأسه القلق والمتعب بآلام خاصة وعامة، لا يزال يتردد في المدى العربيّ القائم أيامنا هذه.

(ما لي نِفْس).. هي الصرخة التي أطلقها (عربي) بطل رواية السبول ”أنت منذ اليوم“، تلك الرواية اليتيمة التي أودع فيها الفتى الجنوبيّ موقفه من الحياة، ثم برهن بعد سنوات قليلة (أنجز الرواية في العام 1968 وانتحر في العام 1973) على صدق كلماته وعمقها، فإذا برصاصة مسدسه تواصل مفاعيلها منذ الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1973 وحتى يومنا العربيّ هذا، المثقل بما أحزن القلب القوميّ الإنسانيّ المبدع الساكن ضلوع السبول.

صرخة (عربي) جاءت، بحسب الكاتب سامر حيدر المجالي، في إطار الشكوى من أبوّةٍ صارمةٍ حاصرتْ بطل الرواية من مختلف الجهات، وتسببت في إيذاء روحه عبر انتهاكه جسدياً وانتهاك قدسية الكائنات من حوله. هذه الصرخة هي أحد المفاتيح التي يمكن من خلالها الولوج إلى بعض سر تيسير السبول؛ لأن الفرق بين عربي وتيسير دقيق جداً، لكنه مهم. فالصرخة لم تحمل طابعاً شخصياً، بقدر ما حملت هَمَّاً إنسانياً وفلسفةً مثّلت الأبوة الصارمة فيها نظاماً متكاملاً من القهر والوصاية اللذين يشدان الحياة إلى الخلف بدلاً من دفعها إلى الأمام، ويهمشان الذات الفردية فيحولان بينها وبين أن تحقق قيمة وجودية محترمة، ثم يستلبان من هذا الوجود معناه ومن الحياة جدواها.

فما الذي أراده السبول من فكرة ”الأب القاسي“ في الرواية وما علاقة ذلك بديكتاتوريات قمعت وجود الإنسان العربي باسم العروبة عينها؟  وهل تغيرت ظروف الهزيمة التي لا تزال تلاحقنا جيلاً إثر جيل؟

الأبوة هنا تطال كل ملمح من ملامح القهر التي يعانيها العربي يومياً. إنها ليست شأناً شخصياً ولا مشكلة يمكن تجاوزها بتغير الزمان والمكان. فالقهر الذي يعانيه الفرد طفلاً خلال تنشئته الأسرية، هو نفسه الذي تفرضه عليه عادات المجتمع الصارمة فيما بعد، وهو نفسه الذي تمارسه عليه الأيدلوجيات الشمولية معصوبة العينين، وهو حتماً وبالنتيجة ما يمارسه الاستبداد السياسي من عسف وقهر وتنكيل. فما النتيجة المتوقعة بعد ذلك؟ آمال لا تتحقق وقلة قيمة وضياع أوطان وهزائم مذلة. نتائج لم تكن روحًا شفافة كروح (تيسير السبول العربي) قادرة على التعايش معها.

هل يكفي ما تقدم لتفسير انتحار (تيسير-عربي) الحالم بفجر العروبة وبالعدالة الاجتماعية والانتصار على قوى الطغيان؟ ولكن ماذا حول خصوصية المبدع الذي يمارس فعل وجوده عبر الكلمات ومن أجلها. هل انتحر هذا المبدع نيابة عن عربي فقط؟ أي هل تماهى معه إلى الحد الذي جعل انتحاره مجرد احتجاج على الكذب والخديعة اللذين ظهرا أوضح ما يكون صبيحة الموافقة على قرار وقف إطلاق النار في حرب عام 1973؟ أم أن لتيسير خصوصية فريدة من نوعها تضيف إلى هذا البعد أبعاداً أخرى قد تفسر قرار الانتحار؟

يشكو صاحب ديوان ”أحزان صحراوية“ (1968) في رسائله إلى صديقه الروائي العراقي فؤاد التكرلي بين عاميّ 1969 و1970 عدم قدرته على ممارسة الكتابة وعزوفه عنها. يقول في إحدى هذه الرسائل: ”هل تتساءل معي ما جدوى حياة الإنسان الذي خبر لذة الكتابة ثم يجد نفسه عاجزاً عنها؟ ليتك تساعدني في بحث هذه القضية. ماذا سنكتب؟“. ويقول في رسالة أخرى: ”لا أكتب ولا أستطيع الكتابة. إنّ شعوراً حاداً بعدم الاستقرار يستولي عليّ وعبثاً أحاول في مثل هذه الظروف النفسية ما يسمى بالخلق“.

تقاطع الشخصي مع العام، صدمة الهزيمة والواقع العربي المتقاطعة مع صدمة الوجود من أساسه، الوصول إلى اللحظة الفارقة بين الجدوى واللاجدوى (ما لي نِفِس)، تسبب كل ذلك إلى عزوف جوهريّ متعدد الوجوه والمخرجات، ولكنه العزوف الذي سرعان ما كاد يتحول إلى باب أمل واسع مع توالي الأخبار المفرحة من جبهات حرب تشرين، لتأتي الصدمة بعد ذلك صاعقة مع انطلاق مفاوضات الكيلو 101! خيمة جديدة لهزيمة لا تنتهي، ثغرة مفتوحة من الدفرسوار وحتى آخر ثغور أمة ضائعة، وقف إطلاق نار ممتد، إلا إذا كان هذا الإطلاق نحو صدور الشعب العارية، ونحو منامات ليلهم الطويل، وفي سبيل قتل كل أمل لهم بالخلاص والنجاة من أسر واقع لا ينتهي

يقول القاص رسمي أبو علي زميل دراسة السبول: ”أذكر أنّ تيسير سبول حدثني عن الانتحار في أول تعارف بيننا. وقد لاحظت أنّ عينيه جاحظتان بعض الشيء، مع شروش حمراء في قاع العين. أمّا نظرته فكانت تسيل حزناً ورقّة عندما لا يكون غاضباً…“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com