فلسطين والآخر في عين محمود درويش‎ – إرم نيوز‬‎

فلسطين والآخر في عين محمود درويش‎

فلسطين والآخر في عين محمود درويش‎

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

على الرغم من أن الموت غيّبه منذ أكثر من عقد، يبقى حضور الشاعر الفلسطيني محمود درويش، طاغيا في الوعي العربي، بقصائده، وصوته العريض.

وتمكن درويش، الشاعر الوطني الفلسطيني، من تطوير الاستعارة لتصبح تأثيرا غنائيا غنيا. ولد في قرية دمرها الاحتلال في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، وأثار قضيته في أكثر من عشرين كتابا، باعت ملايين النسخ واعتبر أشهر شاعر في العالم العربي.

قال عنه الناقد صبحي حديدي: ”يشعر الكثير من الناس في العالم العربي أن لغتهم في أزمة، وليس من المبالغة القول إن درويش يعتبر منقذا للغة العربية“.

وعلى الرغم من انتقاداته العنيفة للحكومات العربية وقد سمّاها ”زنزانات السجون“، إلا أنه التقى بكل زعيم في العالم العربي. وكان قليل الظهور في المقاهي، والأماكن العامة، وقال: ”أحب أن أكون في الظل، وليس في الضوء“.

وفي باريس قضى درويش وقتا من المتعة في القراءة والتأمل، في ثمانينيات القرن الماضي، وقد أثّر هذا الوقت جديا في تجربته. وبمنزله في رام الله بالضفة الغربية، بعد عملية السلام، شعر أنه يجد صعوبة في الكتابة. وقال ”الشعر يتطلب هامشا وقيلولة، رام الله بوضعها، لا تعطيني هذا الترف، فأن تكون تحت الاحتلال، وأن تكون تحت الحصار هذا ليس مصدر إلهام جيد للشعر. مع ذلك، لا يمكنني اختيار واقعي. وهذه هي مشكلة الأدب الفلسطيني بالكامل: لا يمكننا تحرير أنفسنا من اللحظة التاريخية“.

كان درويش في قلب السياسة الفلسطينية منذ السبعينيات، فأدار مركز البحوث في بيروت، وكتب إعلان الجزائر عام 1988، الذي أعلنت فيه منظمة التحرير الفلسطينية دعمها لحل الدولتين. وفي مجلة الكرمل، قدم للقراء العرب، أعمال الكتاب الإسرائيليين، وكانت لفتة نادرة في العالم العربي وقتها.

وعرِف درويش بآرائه المستقلة واللاذعة، في مناسبات عديدة مع القيادة الفلسطينية. فكان من أشد المنتقدين لتورط منظمة التحرير الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية.

في 1993، استقال درويش من اللجنة التنفيذية احتجاجا على اتفاقات أوسلو، ليس لأنه رفض السلام مع إسرائيل، بل لأنه، بحسب قوله: ”لم يكن هناك صلة واضحة بين الفترة الانتقالية والوضع النهائي، ولا يوجد التزام واضح بالانسحاب من الأراضي المحتلة. شعرت أن أوسلو ستمهد الطريق للتصعيد. تمنيت لو كنت مخطئا. أنا حزين جدا لأنني كنت على حق“.

ومع ذلك، كانت اتفاقات أوسلو هي التي سمحت لدرويش، الممنوع من دخول الأرض المحتلة، بالاستقرار في الضفة الغربية عام 1996، بعد 25 سنة في المنفى. عاش في الاتحاد السوفييتي والقاهرة وبيروت وتونس وباريس. جاء شعره ليعكس تجربته الخاصة، وتمكن من ترسيخ الرحلة الفلسطينية في الخارج إلى عرض ملحمي.

يقول يهودا عميحى، الشاعر الإسرائيلي الذي قرأه باللغة العبرية: ”عبّر درويش عن رغبات شعبه ورغباته العادية، إنه يمضي بعينه نحو الجميل، وأقرأ شعره لسماته الأدبية“.

كتب درويش قصائد النضال، وأثمرت في نفوس الكثيرين، وأثارت قصيدته عام 1988 ”المارون بين الكلمات العابرة“، التي نُشرت في الأيام الأولى من الانتفاضة الأولى، صرخة بين الإسرائيليين، بما في ذلك بعض أصدقائه اليساريين. وعلى الرغم من أن درويش أصر على أنه كان يخاطب الجندي الإسرائيلي ”عش أينما تريد، ولكن لا تعش بيننا“، وفسر العديد من الإسرائيليين القصيدة على أنها دعوة لهم لإخلاء المنطقة تماما، رد درويش: ”قلت ما سيقوله كل إنسان يعيش تحت الاحتلال“ اخرج من أرضي“. وعقّب: ”أنا لا أعتبرها قصيدة جيدة، ولم أدرجها في أي من مختاراتي“.

في عام 2000، اقترح يوسي ساريد، الذي كان آنذاك وزير التربية والتعليم في دولة الاحتلال، إدراج بعض قصائد السيد درويش في مناهج المدارس الثانوية الإسرائيلية. بعدها، هدد أعضاء اليمين في حكومة ائتلاف الرئيس إيهود باراك بحجب الثقة، فأعلن باراك أن ”إسرائيل ليست مستعدة لذلك“. وردّ درويش: ”إن الإسرائيليين لا يريدون أن يعلموا الطلاب أن هناك قصة حب بين شاعر عربي وهذه الأرض“. وأردف: ”أتمنى لو أنهم قرأوني للاستمتاع بشعري، وليس كممثل للعدو“.

خرج درويش مع عائلته إلى لبنان خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، ودُمرت قريتهم. وقال: ”لقد تم تعريفنا كلاجئين، لقد أعطاني هذا مرارة لاذعة، ولا أعرف كيف أتحرر من هذه الندبة“.

سُجن درويش مرارا ووضع تحت الإقامة الجبرية من عام 1968 إلى عام 1971. واستفاد من تلك التجارب في شعره المقاوم. وكان أشهره ”سجل أنا عربي“، وهي قصيدة متحدية، كتبها بعد لقاء مع ضابط إسرائيلي أوقفه بسبب أوراقه.

وتكلم درويش العبرية بطلاقة، واعتبرها ”نافذته“على عوالم الكتاب المقدس والشعر الأجنبي. سجانوه في دولة الاحتلال كانوا يهودا، لكن العديد من أصدقائه المقربين كانوا كذلك. وقال عن ذلك: ”لدي صور متعددة للآخر الإسرائيلي“.

وقدمت بعض قصائد السيد درويش صورا دقيقة ودقيقة لـ ”الإسرائيلي الآخر“، أصدقاء الشاعر وعشاقه اليهود، في ”جندي يحلم بالزنابق البيضاء“.

ومنها:

”لم يفلسف حلمه، لم يفهم الأشياء

إلا كما يحسّها.. يشمّها

يفهم_ قال لي_ إنّ الوطن

أن أحتسي قهوة أمي

أن أعود في المساء..

سألته: والأرض؟

قال: لا أعرفها

ولا أحس أنها جلدي ونبضي

مثلما يقال في القصائد

وفجأة، رأيتها

كما أرى الحانوت.. والشارع.. والجرائد

سألته: تحبها

أجاب: حبي نزهة قصيرة

أو كأس خمر.. أو مغامرة

_من أجلها تموت ؟

_كلا!“

وواجهت ردود فعل كبيرة، حيث قال الأمين العام للحزب الشيوعي الإسرائيلي: ”كيف يكتب درويش مثل هذه القصيدة؟ هل يطلب منا مغادرة البلاد لنصبح محبين للسلام؟ وقال العرب: كيف تجرؤ على أنسنة الجندي الإسرائيلي؟“.

وتميز شعر درويش بأنه حالم واستبطاني، واقترض من الأساطير اليونانية والفارسية والرومانية والتوراتية. وقال: ”إن أهمية الشعر لا تقاس في النهاية بما يقوله الشاعر بل كيف يقوله، وأضاف: ”أعتقد أن الشاعر اليوم يجب أن يكتب الغيب“.

درويش الذي حضر للعالم في 13 مارس 1941، غادره في 9 أغسطس 2008، تاركا إرثا أدبيا عظيما.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com