لماذا يلجأ الشاعر لكتابة الرواية؟

لماذا يلجأ الشاعر لكتابة الرواية؟

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

برزت في العقود الأخيرة من مسيرة الأدب العربي، ظاهرة دمج المؤلف بين كتابة الشعر والرواية، حيث تكون البداية مع الشعر، ومن ثم يخوض الشاعر غمار المنافسة في كتابة الرواية، مع الروائيين. ولقد استمر الجدل حول هذه الظاهرة بين المؤلفين أنفسهم، وبين النقاد، ما بين مؤيد، ومعارض، لكن السؤال المثير للاهتمام، ما الذي يدفع الشاعر للانتقال لكتابة السرد؟.

ضوابط

إن حواجز الفصل بين الجنسين الأدبيين الأشهر في الأدب العربي، متعلقة باختلاف الأسلوب المطلوب في كل حالة، وطبيعة التقنية التي يستخدمها الكاتب في تقديم المنتج الأدبي، حيث إن الشعر يتطلب لازمة التكثيف في إنشاء وابتكار الجملة، بحيث لا يكون استطرادًا في شرح الفكرة، وعلى عكس ذلك، تسير الرواية في طريق آخر، حيث يقدم الكاتب على السرد بشكل مفصل، ويستخدم العبارات كيفما شاء، دون حاجة إلى القيد المحمول في عربة الشعر، بما يشتمله الشعر من تزيين للصورة الفنية في كل خطوة يخطوها الشاعر في درب قصيدته، وبينما ينتقل القارئ، من جملة لأخرى، يشعر بكم الإغواء الممزوج بالنص، ما يثير حالة من المتعة لديه، توصله إلى حد النشوة.

مساحة التجريب

الأمر مختلف تمامًا في السرد الروائي، فالهيكل الذي يبنيه الكاتب، قد تتشعب الأحداث فيه، بشكل لا يتحقق في الشعر، وهي مساحة من التجريب يطمح إليها كل مبدع، بحيث يكون مثل طابة أفلتت داخل ملعب، تتقافز بحيث لا تدري ما النقطة القادمة التي ستثبت عليها، وما هي طبيعة الحركة القادمة، هذه الانسيابية الممنوحة من الجنس الروائي، تزيد من رونق الطريق، وتخلق مدارات لم تكن لتوجد إلا في السرد، يبرز من خلالها المؤلف قدراته الخيالية، وأدواته المعرفية المكتسبة، هنا إمكانية التطويع أسهل.

بطولة الزمن

القصيدة في ذهن الشاعر تأخذ وقتًا أطول في طور التخمر والتحضير، من ذلك الوقت المطلوب لكتابتها، فالمدة الزمنية التي يقضيها الشاعر مع ولادة نصه، تكون مكثفة ومستعصية، لكن السرد يغاير ذلك، فقد تكون مدة التحضير للعمل الروائي طويلة، لكن أيضًا، قد تستمر كتابة الرواية عامًا كاملًا. لنا أن نتخيل أن نخوض عصفًا ذهنيًا محملًا بالإثارة للحواس، كأن تعيش في مدينة أدواتها حواس متفعلة، بطبقات من الإيغالية والتأملية، تلك اللذة المصاحبة للسرد، تفتح الباب أمام كل الاحتمالات الجمالية التي يطمح إليها أي إنسان.

إثراء

حين ينتقل الشاعر بقدراته إلى السرد، فإنه يكون مشبعًا بفلسفة الصورة الشعرية، وتقنيات غريبة عن الفلك السردي، ومن الطبيعي، وتبعًا لذلك التأثر، فإنه سيقوم بدمج ما يحمله من أساليب شعرية في العمل الروائي، وهو ما يكسبه الجمالية والاقتباسات، ويعطيه مساحة أعلى من التأملية، ويزيح عنه غطاء السطحية، فيكون المنتج السردي أكثر قيمة وعمقًا. ولقد لاحظنا بأن الشاعر محمود درويش قد اختتم مسيرته الأدبية بنمط سردي كما ظهر في ”ذاكرة للنسيان“ وقد كان من أعظم أعماله فنيًا، واشتمالًا للمفاهيم، تلك المساحة التي منحها إياه السرد. كما أن الشاعر عباس بيضون، انتقل إلى العمل السردي من خلال عدة أعمال أبرزها ”تحليل الدم“. كما فعلها الشاعر حسين البرغوثي، من خلال سرديته التي حققت نجاحًا ملفتًا فما قدمه البرغوثي في ”الضوء الأزرق“من أعظم كتب السرد العربي. وما لا يجب إغفاله بأن هذا التحول متواجد في الغرب أيضًا، فهناك أسماء شهيرة من الشعراء انزاحت نحو الرواية مثل باول بيتي، وجانيت فريم، وقد حققا نجاحًا ملفتًا.

القارئ

من الجدير بالملاحظة بأن اهتمام القارئ العربي، ينصب ناحية الرواية والقصة، أكثر من الشعر، وهذه ظاهرة تحتاج لدراسات معمقة، لربما لأن الشعر يحمل خطة الفلسفة أكثر، وهو ما يجعل القارئ يحتاج لجهد أكبر للتوضيح، وفهم التأويل المناسب لحالته، لكن العمل السردي، يشعر القارئ بأنه محتضن من العمل، بمجرد قطعه مساحة من القراءة داخل أحداث العمل، وهذا في صالح الرواية. كما أن الكتاب الروائي لدى القارئ، يعتبر أكثر تحفيزًا للاقتناء، فغالبًا ما يطمح المتلقي لكتاب، يستمر لديه لعدة أيام، في حين أن ديوان الشعر من الممكن قراءته في ساعتين. لهذا كله، جماهيرية الرواية أكبر، والمؤلف دائمًا، يطمح لكسب رقعة أكبر من الجمهور.

الجوائز الأدبية

قد لا يظهر المؤلف الأدبي اهتمامه بالحصول على الجوائز الأدبية، لكنها من الأشياء الهامة في مسيرته، الحصول على الجوائز، من ناحية معنوية، فالكاتب يميل إلى الحصول على الإطراء، كغريزة إنسانية، كما أن الجانب المادي صار أمرًا ضروريًا، فتعددت الجوائز الأدبية العربية، ومن أشهرها الجائزة العالمية للرواية العربية“البوكر“، بالقيمة المعنوية التي تمنحها الجائزة، على الصعيد العربي، ناهيك عن الترجمة، بالإضافة إلى جائزة نقدية قيمتها، خمسون ألف دولار أمريكي، كل هذه محفزات تدفع الشاعر للرواية.

الخبرة

يتجه الشاعر على سبيل تعزيز أدواته المعرفية، إلى قراءة الرواية؛ حتى لا يسقط في فخ التناص، والتقليد، وهذا ما يجعله بعد فترة من مسيرته الأدبية، ملمًا، بكافة الجوانب الفنية التي تتطلبها الرواية، وهو ما يكون من الصعب عليه امتلاكه في بداية اقترانه بجسد الكتابة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة