المخرج الأمريكي براين بو يقدم معالجة حداثية لفكرة العنصرية في فيلمه ”العالم الذي نصنعه“

المخرج الأمريكي براين بو يقدم معالجة حداثية لفكرة العنصرية في فيلمه ”العالم الذي نصنعه“

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

في مشاهد درامية اجتماعية، وكنوع من تجسيم المأساة، يعيد المخرج الأمريكي براين بو، مناقشة فكرة العنصرية، من خلال إطلاق فيلمه الجديد ”العالم الذي نصنعه“ المُنتج عام 2019.

والفيلم المنقول عن رواية  ”the world we make“ لسيدني كنجسلي، يحاكي قصة حب بين لي الشابة مدربة الخيل، وجوردن لاعب أكاديمية كرة القدم الطموح. فهما شابان على عتبة الحياة والأحلام، تجمعهما العاطفة، ويحاول المجتمع الصغير من حولهما، حيث المدينة الحديثة، تفريقهما، بحجة اختلاف الأعراق، وتكافح لي البيضاء، من أجل مساندة جوردن الأسمر البشرة، لتحقيق طموحه، والانتصار على فكرة المجتمع التفريقية.

البحث عن الخيارات

يمضي الفيلم في 108 دقائق من الدراما الاجتماعية، بتماسك مريح بين تطورات الأحداث، وكذلك السببية التي تترتب عليها نقاط الصراع. تقديم بسيط لفكرة الفيلم، يتكاثف فيه أسلوب المخرج وحركات الممثلين لتقديم عمل مقنع.

ويراقب المخرج براين بو عن كثب البنية التأسيسية للشخصيات، ومن ثم يعمل على تطويرها، للوصول لحبكة تصنع الأثر، مستفيدًا من جذور موضوع العنصرية في الوعي الإنساني.

فتتطور شخصية لي (الممثلة روز ريد) من فتاة ريفية تعيش بين الخيول، إلى شخصية تحمل فكرة مصارعة المجتمع على عالم تريد أن تصنعه. فيما تمر شخصية جوردن (الممثل كاليب كاستل) بعدة تقلبات، بمروره إلى دائرة حلمه، الذي لم يكن يتخيله، بأن يرتبط بامرأة بيضاء، هي بالأساس أخت لصديقه المتوفى.

ومن بعدها يستسلم لإرادة المجتمع، الذي يصدر الممانعة بأدواته المختلفة، القناعات، والنظرات، والتعنيف الجسدي. ما قد يهدد مستقبله الكروي، بعد تعرضه للضرب وارتجاج مخه للمرة الثانية. هل هي انهزامية أمام عالم مخيف، أم منطقية البحث عن الخيارات، هي مسألة يطرحها الفيلم كمشروع تفكيري، لقضايا مشابهة، أو مختلفة يمر بها الإنسان في حياته.

عرق مغاير

وبالنظر إلى شخصية الأب لكلا الطرفين، كان أبو لي يصارع ألم فقد زوجته بمرض السرطان، ومن ثم ابنه كايسي بحادث أليم، لقد تكسر معنى العالم في وجهه، وآثر اعتزال الخاصية التي تربطه بشيء آخر، اعتزل الضحك، وكرس فكرته عن الحياة بأن يكون مرآة عاكسة لبشاعة الكون. لكنه كان عليه العودة. ولابد أنها لمساحة كبيرة منحتها قصة عشق ابنته لشاب من عرق مغاير، ليعيد صياغة فكرة حياته.

أما والد جوردن، فقد دفعت تجربته مع امرأة بيضاء، هجرته، بعدما أنجبت له جوردن، الهروب صوب واقعه، للقمار، شادًا ذيول ذكرياته، رافضًا لتكرار ابنه لنفس النار.

الاقتباسات و السيناريو

لم يعمل معالجو الفيلم كسيناريو، براين بو، كريس دولينغ، و جورج سكوبار، على تفريغ فلسفي خاص، خاصة وأن أحداث الفيلم تتطلب تواجد جمل اقتباسية، لمنح المزيد من الاشتعالية لسياق الفيلم الدرامي. فالإنسان في مراحل الضعف، والتحدي كذلك، حتى في حزنه، يمارس التنقيب عن أجمل ما في ذاته، ليستند عليه. إنه تأثير الاقتباسات، الذي يغير العالم.

وبما أن الفيلم ينقل مأساة ثيمة الدراما، فقد كان للإضاءة يد مسيطرة على تقلبات الأحداث، وتناوبت الكشافات في التعتيم، والإضاءة وفقما يتطلب السياق الدرامي، وقد كان مشهد موت كايسي الأكثر غموضًا لحظة وفاته، وحتى في المشاهد التي تلت ذلك. وكان النور يدًا عليا، كرسالة أمل، حول أجسادنا، أو وعينا، بأن الضوء هنالك، خلف هذه العتمة القاسية، وعلينا التحرك من أجله.

كأنه لا موسيقى 

وعن الموسيقى التصويرية في الفيلم، فقد كانت متوارية، بحيث لا تلحظ وجودها. ومع ذلك فإن الموسيقى لم تكن لتضفي مزيدًا من القيمة لأي مشهد سينمائي. وفيما يخص إيقاعية الحدث في الفيلم، فإن بطء الإيقاع، بهدف تقليل سلطة الجذب والحركة، بحيث لا تطغى على وقع المكان الريفي، ومن بعد آخر، فإنه كلما كبر زمن فكرة ما (العنصرية)، صارت جسدها أثقل، بالتراكم.

 الإيقاع البطيء

إن الأسلوب الإخراجي يبدو كمراهنة لا تُعرَف النتيجة النهائية، إلا بالانقضاء. وقد صوّر المخرج مشاهد فيلمه في منطقة ريفية تسمى وليامسون، على حواف نهر هاربيث الأمريكي، كرمزية لأصول الفكرة، وكذلك انتقل بمشاهده لمدينة فرانكلين، كحداثة، في تجسيد الفكرة ضد الأعراق المغايرة. فكان براين بو يسعى إلى سباق مع قطار قديم، بعدما جرده من محيطه النمطي، ونقله إلى سياقه الدرامي الخاص، وأظنه قد أجاد في ذلك. وتبدو مسألة تقريب الأشياء التي لم يكن لها أن تتقارب يومًا، أو لم تكن مهيئة لذلك، هي أداة الدهشة التي يبحث عنها أي مخرج في أفلامه.

الفن والعنصرية

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل من الممكن معالجة مشكلة كالعنصرية فنيًا؟ أم أن ذلك لم يكن ليكون، لو أن الفكرة بقيت مغيبة؟ كما يقول مورغان فريمان: ”تنتهي العنصرية بالكف عن الحديث عنها“. فهل التنازل عن التعليقات والإضاءات، يضع حلًا لمشكلة قائمة!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com