رسائل إنسانية من المحيط للمخرج كورماكور في فيلم ”adrift“ – إرم نيوز‬‎

رسائل إنسانية من المحيط للمخرج كورماكور في فيلم ”adrift“

رسائل إنسانية من المحيط للمخرج كورماكور في فيلم ”adrift“

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

في السينما تكمن المشاعر الإنسانية، بحيث تنقل رسائل للحياة، من خلال تلك الشاشة المرسومة بحواس الإنسان، وقد لا يكون سهلًا سماع قصص الاقتراب من الموت، فما بالكم لو كنا نشاهدها؟، إنها ما يشبه تشريح لمشاعرنا بسكين. وقد نجح المخرج الآيسلندي ”بالتزار كورماكور“ في نقل قصة واقعية للسينما، من خلال فيلم ”adrift“، بما يعني الانجراف، المنتج عام 2018، بكتابة للسيناريو من قبل جوردون كاندل، و أرون كاندل. تلك القصة التي في المحيط الهادئ، لعاشقين هما، تامي وريتشارد، وقد اختارا الإبحار عبر المحيط، للوصول من لندن إلى سانتياغو في الولايات المتحدة الأميركية، على متن السفينة ”هازانا“ولكن الإعصار ”دياموند“ كان له رؤية أخرى لقصة حبهما، ويكون الصراع للنجاة من خلال أحداث لا تغادر أجواء المحيط، تستمر لمدة 41 يومًا، في دراما شغل بطولتها شايلين وودي، وسام كلافن، فيما تكون النهاية على عكس ما يتوقعها أي مشاهد للفيلم، خاصة وأنه يرسخ في ذاكرته بأنها قصة حقيقية.

 

كرونولوجي

إن التوزيع الزمني لأحداث الفيلم يدلل على قدرة مكرسة لمخرج الفيلم، وإحساس فني محسوب، في نقل القصة، خاصة وأنها جاءته من خارج الخيال، وهذا يحيلنا إلى أن صياغة السيناريو كانت خاضعة لدراسة معمقة، من أجل إيصال رسالة معبرة للمتلقي، بعد الغوص في خبايا الأحداث، ما قدمه كورماكور كرونولجي لا يمكن اعتباره إلا ملفتًا، من خلال البدء بالحدث الأهم، وهو انجراف السفينة في الإعصار، فتلك لحظة القلق العظمى للبطل وللمشاهد، ومن ثم يبدأ في إبراز مشاهد نارية من ذاكرة تامي، ولربما ذاكرته نفسه، ويستعرض تسلسلًا زمنيًا، كمن يخيط قطعتين من الصوف بعد التطريز حتى أنك تشعر بأن أعصابًا جديدة تنمو مع الوقت، في معدتك، بينما أحداث الفيلم تتعاقب.

 

مراسلات

في المحيط، وسط ماء شاسع، في لحظة ما تبدو التفاصيل قاتلة، تصير الشمس مثل كشاف يأتي من عالم آخر كل صباح، من فوق منظر البحر قطعة معدنية باردة، في لحظة تخرج تامي من الماء بعد سباحة مرهقة لتتعلق بالسلم الجانبي للسفينة، التصوير من أسفل للتسلق، كأن السلّم لحظتها، دعاء للخالق من أجل النجاة، كل ذلك حاول المخرج لفت أنظارنا إليه ليعرض كم كانت القصة جافة، كوجهي تامي وريتشارد بعد نفاد الطعام لديهما، واقتراب نفاد الماء، حتى بدا منظر السفينة مصورًا من سماء المحيط، كأنه قبر أسود اللون.

وفي جانب مشرق من الذاكرة، مشهد البطلين ممددين في لحظة غرامية، يتوسطان ظل شجرة، وكأن لحظة العشق تجعل الإنسان يتفرع، ومشهد آخر يهدي فيه ريتشارد فستانًا لتامي، تلك المراسلات الصورية بين المخرج وذهن القارئ، كانت بمثابة اقتباسات يمكن نقلها عن الفيلم.

 

أشياء تلمع

في سيناريو الفيلم هناك أيضًا رسائل لامعة من خلال نقاط حوار، تبرز كمّ الحب بين العشيقين، فقالت تامي: ”تلك زهرة الحب وضعها الله على الأرض لإخفاء رائحة حرق القمامة“، وقال ريتشارد: ”أتمنى لو لم تقابليني أبدًا، حتى لا تكوني وسط هذه الفوضى“، أجابته تامي: ”لكن لن أملك ما لدي لتذكره، لن أبدل هذا بأي شيء“، تلك اللحظات في أصعب لحظات السيناريو، وقت اقتراب الموت أكثر من جسديهما، وحصارهما من الجفاف، كما أن التساؤل من ريتشارد، يعتبر فلسفيًا: ”كيف يمكن لإعصار أن يجعل العالم في لحظة لا شيء؟“، وقوله لتامي: ”وقد نكون أمواتًا بالفعل“، هذه القمم اللغوية في النص، تسهم في إبراز المعاني الإنسانية المغمورة فيه.

 

كثافة

الهيكل الدرامي للفيلم يبدأ بحدث أعظم، تدور حوله كل المشاهد الأخرى بهدف تفسير ما حدث، ومن ثم الختام بمشهد البداية، وهو نظام مركب إخراجيًا، فيما كانت مدة الفيلم تقريبًا مائة دقيقة ولم تتخلله لحظة ملل واحدة.

تكون القصة دائمًا مكثفة حين تدور كافة المشاهد حول بطلين، وهذا ما حدث للفيلم، وهو أمر مرهق إخراجيًا، وحتى في كتابة السيناريو، فتنوع القصص في العمل الدرامي، يعطي مساحة للتنقل، للمخرج والكاتب، بين الأحداث، ما يعني التقاط الأنفاس، كما أن الأدوات التقنية كانت مساهمة في إبراز جماليات الفيلم، من خلال المشاهد المأخوذة من أعلى، ومن داخل الماء، وإضاءات، وخدع سينيمائية في المكياج، وكذلك التبديل بين ديكورات المشاهد.

 

الصفعة الدرامية

لقد خفت الضوء الدرامي للفيلم على حدث أخير، كان مدويًا، بحيث ينزلق البطل ريتشارد في المحيط، تاركًا تامي وحدها، لتنجو بعد 41 يومًا، حين وصولها سفينة قريبة من أطراف هاواي، كاسرة حبسها في غرفة قاحلة اسمها المحيط.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com