"ليس حبًا بل دُعابة".. نرد لا يتوقف عن الدوران

"ليس حبًا بل دُعابة".. نرد لا يتوقف عن الدوران

لا يتوانى الشاعر اللبناني محمود وهبة عن إثارة الجدل حول الطريقة التي يشعر الإنسان من خلالها بالأشياء، خلال مجموعته الشعرية "ليس حبًا بل دعابة" الصادرة عن دار النهضة العربية عام 2023، والآتية في 83 صفحة من القطع المتوسط.

فلا ينتهي الحدث في مجموعة وهبة، عند طرح السؤال، بل ينبت حدث آخر مع العالم، ومشاعر تتطاير مثل الغبار أمام النص؛ ما يجعل القصيدة تعمل مثل امرأة مشاغبة في الوعي، فلا التخيل يتوقف، ولا الصوت يهدأ.

إن نفي الحب كتوطئة للنص، في العنوان، تحقق واضحًا في المجموعة، فكانت الدعابة حاضرة بين النصوص، من خلال السخرية التي يبديها الشاعر تجاه الأشياء.

إن نفي الحب كتوطئة للنص، في العنوان، تحقق واضحًا في المجموعة، فكانت الدعابة حاضرة بين النصوص، من خلال السخرية التي يبديها الشاعر تجاه الأشياء، فيديه كانتا في حركة دائمة حول الآلة التي تصنع الواقع، يد تصفق بالسخرية من كل شيء، وكل هذه الفكاهات التي يشير إليها الشاعر، هي من نابع ادعاء التسلية.

نرد يستمر بالدوران

ويعتمد وهبة في شاعريته على اللغة المكثفة المنسدلة من كواليس العالم، فهو الشاعر المغرق في التفاصيل الحزينة التي يذرها العالم، وتنتجها الحركة مع الأشياء.

والنص في هذه المجموعة بمثابة صور تتقاطع مع مفاهيم الحياة، فمثل "نرد يستمر في الدوران"، تستمر الحاجة للشعر، للحفاظ على الاحتمالات اللانهائية، لكن الدهشة وطَرقة الشعر على الوعي، تبدو في الكثير من النصوص غير كافية، وكأن النص يمارس صفعاته، من وراء جلد مطاطي.

فيما يذهب وهبة إلى نص البؤرة في تشكيل بنيان القصيدة، لتأكيد سطوة اللحظة الشعرية، حيث يكرر المقاطع في بعض نصوصه، منطلقًا لتفاصيل أخرى متراكبة مع الحالة، ولا ينقطع التصوير المرن خلال نصه، الذي يتمكن من خلاله بمباغتة الإنسان والأشياء والعالم، بالدُعابة صوتًا وحركة وحسًا.

المباغتة بالأسئلة

هنا في هذه المجموعة، نتعرف على فلسفة الاحتمالات من خلال النص غير المتأكد من الصورة، والذي يكتب المشهد ويمسحه، هي وظيفة الشعر لا الشاعر، وإنها الحيرة، السبيل الأقل ضررًا أمام نص وهبة، لأن أي شعور آخر سيكون بحاجة لتفسيرات تحمل المزيد من التعب، فيباغت وهبة بالأسئلة: ما سر بقائك هنا؟ لم لا تخرج؟ لم لا تأتي؟ لم لا تمشي؟ كأنه يحاور شقيق غودو الذي لم يأتِ للعالم بعد.

كما وتظهر الاحتمالات في النصوص من خلال الفم، الذي يعبر عنه بالنرد، هل هو نرد الكلام الذي نقوله؟ أم نرد القبلات التي تشعرنا بلذة العالم وجنونه في لحظة ما؟

"ليس حبًا بل دُعابة".. نرد لا يتوقف عن الدوران
"سيرة الأعرابي" لمحمود وهبة.. الواقع العربي في مرآة الشعر

وحين يقول الشاعر: "صوتك يشبه الأحجية"، فإنه يراقب بذلك احتمالات أخرى يذرها الصوت، لتمضي الحياة في علاقة الرجل بالمرأة وفق احتمالات لا نهائية، احتمالات تفتح على الممكن، وتبقي الدعابة مع الحظ، ولا تنفيها كما نفى الحب في عنوانه.

فيما يستبدل الشاعر اللبناني الجنازة بالقصيدة، فلا يحتمل المرء صوت الموت أكثر من لحظته، وهنا السؤال الوجودي، لماذا الشعر؟ والمأساة منذ الأزل لم تضمر بما يكفي للحفاظ على الحياة، لكن يأتي دور القصيدة في الحفاظ على المعنى، معنى أن نكون في هذا العالم المحفوف بالأصوات الحزينة، فكل الأشياء تصدر ذلك الصوت الحزين على ضفاف الطريق الرتيبة، لذا كان الشعر، للعوم على سطح النهر، وتفادي لحظة الغرق الأخير.

السذاجة في فتح الباب

إنه على عجلة الحياة ألا تتوقف عن نثر التفاصيل، وكذلك في الحب، لذا يذهب وهبة إلى الدُعابة لا الحب، لأن التفاصيل هنا أقل من مستوى الحب وبنيانه، لربما هي أزمة العالم الحديث المادي، المنهار أمام التفاصيل، تلك التي يتطلبها الحب في زمن آخر، زمن يخلو من الرتابة التي تشعر بها ساعة الحائط خلال تكرارها السير والأصوات على مدار الوقت، هكذا يوصف وهبة نفي الحب في القصيدة، بالسذاجة ذاتها التي تدفعه لفتح الباب، رغم علمه بأن امرأته لن تدق في تلك اللحظة، إنها الدعابة هي الغالبة على فهم الرجل للمرأة، وفهمه للعالم.

تظهر الجثة في نص وهبة، كأنها صوت جديد للبشرية عالقة في طريق طويل، ولا أحد يستعد لدفنها، فهو يدفع بالسؤال ليس لأنه لا يعرف، بل لأن المعرفة توقفت بدراميتها عند حد لا يمكن تصديق الخيال.

يكتب وهبة: "أعرف أنك تشبهين هذه الساعة المعلقة على جدار البيت.. أعرف أنك حتمًا لا تطرقين الباب.. مع ذلك أقوم لفتحه كالأبله.. أعرف أن حياتنا كانت كابوسيةً بما يكفي لتهربي.. أعرف أيضًا أن ما بيننا ليس حبًا، بل دُعابة".

دراما المعرفة

فيما تظهر الجثة في نص وهبة، كأنها صوت جديد للبشرية عالقة في طريق طويل، ولا أحد يستعد لدفنها، فهو يدفع بالسؤال ليس لأنه لا يعرف، بل لأن المعرفة توقفت بدراميتها عند حد لا يمكن تصديق الخيال، إذ إن دراما الواقع تبدو حاضرة دون جهد المؤلفين، أو حِيَلِهم الدرامية، فالواقع حيلة كبيرة تستهدف الأشياء كلها، وتجرها نحو الموت، ويتوقف سؤال وهبة: "لمن هذه الجثة في الحلْق؟" عن النبض لحظة نطقه، لكنه يبقى ويكمل حياته في الشعر، ككافة الأحاسيس المهملة.

مصير

أما المصير في أفكار وهبة، فنجده في الفكرة المسبقة عن الوحشة والحيرة، ويجسد رؤية صوتية مقلقة لما سيحدث في المستقبل، حيث المشهد السوداوي للعالم، بما فيه من عري الأحاسيس، ونحول الفرح، وخطى الأرامل، وسفلتة التيه، ليكون بديلًا عن الطريق.

تلك عتمة ينمو خلالها الشعر، فتعبر عن وهم العالم وألمه، وهكذا تبدو رؤية وهبة، تفسير الزمن، قبل أن يظهر للعوام، وقراءة استقرائية للواقع الذي يمر بخشونة أصابعه على الأجساد، وينسى معظم الآخرين أحاسيسهم، لكن الشاعر لا ينسى الوجع، إنه يتأمله كمن يراقب نملة في تربتها.

يكتب وهبة، في نص "غدًا من أنا": "عاريًا من كل شيء، من نحولك، من جحودك، من رمالك، عاريًا كأرملة، مثل الذين ماتوا سريعًا، ولم يعودوا".

غبش

لكن الحب في رهان محمود وهبة مع الشعر، يبقى محبوسًا في النظرات الجريئة، وتأملات الجسد الشهوانية، فلا مساحة للحسية في النص بقدر تواجد الحركة والصوت والإيقاع المتسم بتوصيف الجسد، وهو ما كان الغالب على الصورة الشعرية.

ولعل تغييب العقل من خلال الاحتكاك الجسدي هو إحدى الدعابات التي أرادها وهبة مع الحياة، وقد أعطى حالة الغبش كمدلول خلال النص، ليختلط عليه بشكل قصدي، كل من الحب والدعابة.

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com