"مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية".. مكعبات المتاهة والوهم

"مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية".. مكعبات المتاهة والوهم

يأخذ الكاتب المصري أحمد عبد اللطيف قارئه لعالم غرائبي ممتلئ بالتناقضات والصور، مثيرا الجدل حول حيثيات الواقع الذي يعيشه الإنسان المعاصر، والعالم الافتراضي الذي شكّل من خلال أدواته صورة جديدة للعالم والمشاعر والإنسان.

وتتألف المجموعة القصصية "مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية"، والصادرة عن دار المتوسط للنشر والتوزيع 2021، من 112 صفحة من القطع المتوسط، وفازت حديثا بجائزة نجيب ساويرس الثقافية لفئة كبار الكُتّاب 2022.

الكتاب يقدم مارك زوكربيرج كشخصية ضمن قصصه مبينا القيمة التي امتلكها هذا الشاب في قدرته على صنع عالم جديد وإطلاق طيوره الخرافية للكون.

ويضع الكاتب القارئ في صلب مشاعره الخاصة خلال النصوص، فهي لا تتحدث عن ماضٍ بحاجة إلى التخيل، والانصياع لأفكار الكاتب حوله، والاكتفاء بالتلقي، وإنما تتداخل مع الواقع الذي يحياه الإنسان في هذا العصر، عبر التعمق في ظواهر الحياة في كافة أنحاء العالم، وهذا يعني أنها تكتسب عولمة من خلال الأفكار والتدفق الشعوري.

ويمضي النص لدى عبد اللطيف عبر فلسفات، تتسم بالبساطة والتلميحات، وعبر تدفق لغوي سلس، نزع من بينه الكاتب علامات الترقيم، ليجعل النص مفتوحا على كل الاحتمالات في التحليل والتأمل.

تجريد وإكساب

فيما تتميز الشبكة السردية عند الكاتب، بالأفكار النابضة التي تتواجد بشكل متكرر في حياة القارئ، لكنه يكسبها الجماليات عبر تجريدها من قسوتها في الواقع، ووضعها في احتمالات جديدة، تفتح على رؤى جديدة للحدث ذاته، كأن يتحدث عن الندبة، التي يجعلها الحب من علامات الجذب لدى الطرف الآخر.

"مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية".. مكعبات المتاهة والوهم
مارك زوكربيرغ مؤسس فيسبوك يشتري UFC 211 ويثير سخط المصارعين (صور)

صانع العالم الجديد

كما يقدم الكاتب، الريادي التكنولوجي ورجل الأعمال الشاب "مارك زوكير بيرج" مؤسس شركة فيسبوك، كشخصية ضمن قصصه، مبينا القيمة التي امتلكها هذا الشاب، من خلال قدرته على صنع عالم جديد، وإطلاق طيوره الخرافية للكون.

لكن تشابكات القصة تدخل بينا إلى مكان التوقف والتأمل حول الواقع المزيف الذي يعيشه الإنسان، وذلك الصراع بين الواقع والافتراضي، ويظهر مثل ظل، خلف النصوص الجانب الثالث للفكرة، وهو المفترض، الذي يختلف وفق معايير المكان، ذلك الذي يختفي خلال السرد أحيانًا.

يؤسس الكاتب للتشابك بين خيال الإنسان والمكان في الواقع من خلال إبراز الفوارق ما بين خيالنا عن الأماكن وواقعها.

صناعة الوهم والمتاهة

وتدور الأصوات السردية المختلفة خلال القصص، حول صنعة الوهم، فهل هذا العالم يعيش وهما حديثا بمجرد تقييم الأشخاص وفق أدوات رقمية؟ أم أن هذا هو الحل الأنسب، للخروج من شراسة الواقع؟ وهل مشاعر الإنسان بالفعل تتحول بفعل الرقمية؟ بحيث أصبح بالإمكان بناء صداقات لا يهمنا إن كانت متعمقة أم لا، مع أناس غرباء، لا تربطنا بهم سوى تلك الشاشة الجافة.

ولا تتوقف قصص عبد اللطيف عن صنع المتاهة خلال السرد من خلال فرض الجدل بين الأفكار، حيث يذهب حتى في واقعية الحدث إلى نظرية الثقل والكتلة، إذ تكون الشخصية خلال السرد تعمل مثل مكعبات، حيث يبرز الصراع بين الرجل والمرأة، حول فرض السيطرة، وتصدير الرؤية للعالم، متناولاً التغيرات التي طرأت على هوية المرأة بفعل الثورة التكنولوجية الحديثة.

خيال الأماكن

ويؤسس الكاتب المصري لذلك التشابك بين خيال الإنسان والمكان في الواقع، من خلال إبراز الفوارق ما بين خيالنا عن الأماكن، وواقعها.

وتمضي السردية نحو تغريب الأحداث وجعلها أكثر درامية، عبر الأفكار الغريبة حول الأماكن، وقدرة الإنسان على شق مشروع معرفي حول المكان، قبل زيارته، إنه الصوت وإنها الصورة، وإنها المتحركات، تلك التي تدور داخل الإنسان فور شروعه ببناء مخيلة للمكان قبل زيارته، وفي هذا إسقاط حقيقي يقوم الكاتب بصنعه، حول الإنسان كذلك، الذي نتقاطع معه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي هنالك مخيلة تتشكل حول صفاته وكينونته، لكنها في الواقع تكون مختلفة، بومجرد الاحتكاك الواقعي تتشكل صورة أخرى حول كينونته الكلية.

يكتب عبد اللطيف:

" تدعوني أن أرى ماكيتات مدن في بيتها على أن يكون ذلك في الصباح لأنه الوقت الوحيد الذي يخلو فيه البيت من الأم والأب فأروح ذات صباح وأرى العديد من المدن من بينها مدينة مدريد فأسألها إن كانت زارت هذه المدن وتقول لا لكنها تحب أن تزورها ثم تعترف لي أنها قبل أن تخطط لأي مدينة تبحث عنها في الأطلس وتتعرف على إطارها ومساحتها وميادينها الرئيسية وإن كان لها بحر أم لا لأن كل ذلك سيؤثر في طابع المدينة".

دون فواصل

وفي النص الذي يجري كسيل شعوري دون توقفات أو فواصل ترقيمية، تبدو سرديات عبد اللطيف محملة بالحواس والأفكار، وتحمل في كثير من الأحيان تلميحات، تتقاطع مع صوت الواقع، والأحداث الغريبة التي تظهر فيه، واللعب هنا يكون على المتخيل، ومدى القدرة على جعله واقعا داخل السرد.

"مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية".. مكعبات المتاهة والوهم
"يخاف الأفراس".. رواية تونسية تغوص في رحلة الصراع بين الهامش والمركز

ذروة القوس القصصي

والغرابة تتشكل في قصص عبد اللطيف، في ألّا ينجو الوعي من الصدمة من الحدث، حيث يقدم عبد اللطيف المتخيل في سرده، ويمضي به حتى منطقة ذروة القوس القصصي، ومن ثم يأتي بالخبر الصادم بأن ذلك كله كان مشهدًا من الماضي، الذي حدث بالفعل في الواقع.

يكتب القاص في قصة "صورنا على التيندر ليست صورنا في الواقع":

" وأحيانًا كانت تصنع أشكالًا صغيرة لبشر يسيرون في الشارع أو يجلسون في شرفة لتمنح للمدينة حياة ونبضًا وفي مدريد صنعتْ من الصلصال أفرادًا يسيرون بشوارع بوسط المدينة منهم رجل طويل ونحيف وله لحية وشارب يسير بشارع أتوتشا وحينها تأملتُه كثيرًا وهي استغربتْ تأملي وتوقفي عنده وتعليقي عليه أكثر من تعليقي على المدينة نفسها ولكن لم يكن لديّ جواب حينها وبعد سنوات طوال اكتشفتُ أن هذا الرجل هو أنا وأني أسير وحيدًا بلحية وشارب بشارع أتوتشا في طريقي للقاء نيوركا بعد أن تعرفت إليها عن طريق التيندر".

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com