”في غرفة العنكبوت“.. حكايات الضلع الأخطر في الثالوث المحرم – إرم نيوز‬‎

”في غرفة العنكبوت“.. حكايات الضلع الأخطر في الثالوث المحرم

”في غرفة العنكبوت“.. حكايات الضلع الأخطر في الثالوث المحرم

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

بجرأة يحسد عليها، وثبات من يمتلك قاموس ومفردات لغة تؤهله لدخول حقل ألغام الثالوث المحرم في أي عمل إبداعي بأضلاعه الثلاثة ”الجنس ــ الدين ــ السياسة“، ولا يصاب بالشظايا النقدية، يطرح الكاتب الشاب محمد عبدالنبي، روايته الجديدة ”في غرفة العنكبوت“ الصادرة عن دار العين للنشر، والتي وصلت منذ أيام قليلة إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، في دورتها العاشرة لعام 2017، والتي ضمت 16 من بين 186 رواية، ينتمي كتابها إلى 10 دول عربية، وتتراوح أعمارهم بين الـ 37 إلى الـ 76 .

ربما تكون ”في غرفة العنكبوت“ هي الرواية الأولى من نوعها في تاريخ السرد العربي، التي تدخل عالم الشذوذ الجنسي أو المثليين، وتشكل منذ الصفحة الأولى وحتى كلمة النهاية، الفضاء الإبداعي الذي تتحرك فيه شخصيات الرواية الموصومة بهذا السلوك المغاير الذي طالما اتفق الجميع على ستره وكتمانه في الصدور، فما بالك بالإفصاح عنه ومحاولة رؤيته بنظرة إنسانية ليست بالضرورة هي إعلان عن موافقة عليه، بقدر ما هي تدريب شاق على تقبل ذلك الآخر المختلف في أهوائه الجنسية عنك وعن عموم من يعيش دورة الحياة الطبيعية، من زواج وإنجاب وممات، من خلال البطل هاني محفوظ، الخارج توًا من السجن بعد بضعة أشهر، قضاها لاتهامة مع 52 فردًا بممارسة الشذوذ في أحد المراكب النيلية يسمى ”كوين بوت“، وهي واقعة حقيقية هزت المجتمع المصري في حينها، عام 2011.

واقتادت الشرطة كل من كانت لهم صلة بالمتواجدين على متن المركب، إلى ظلام أقبية السجون وعنابر التعذيب، ومن ثم سلسلة لا نهاية لها من الإنهاك والتدمير المتعمد لحيوات من تم القبض عليهم، ومن يتصل بهم بأي صلة، من قريب أو بعيد.

يخرج هاني مصابًا بخرس طارئ، ليجد صوته الجديد بين دفاتره، حيث يكتب كل يوم، فارضًا على نفسه عزلة اختيارية بغرفة فندق، لا يشاركه إياها غير عنكبوت صغير، يكتب متتبعًا صوره القديمة، على أمل العثور على صورة واحدة حقيقية له، يكتب حكاياته الصغيرة مع أهله وميوله الخاصة والأفراح الخاسرة في شوارع الليل، وأيضًا عن تجربته المذلة خلال أشهر سجنه، منقباً عن مغزى خفي، وراء كل ذلك الركام، في رحلة لا تتبع خطًا مستقيمًا، بقدر ما تأخذه في اتجاهات عديدة، كأنها شبكة عنكبوت يغزلها بخيط واحد هو صوته المفقود، خيط يمتد من نفسه إلى الآخرين، من حاضر إلى ماضيه، ومن أوهام الحب الصبيانية إلى كابوس الوحشة والأذى.

ويرى الناقد مصطفى بيومي، الذي أعد دراسة نقدية بعنوان ”الشذوذ الجنسي في الأدب المصري“، في حوار خاص مع ”إرم نيوز“، أن وصول رواية ”في غرفة العنكبوت“ إلى القائمة الطويلة، في جائزة البوكر العربية، شهادة إيجابية للجنة التحكيم، وتعني أن المعيار في التقييم نزيه وموضوعي وذو منطلقات فنية، ولا يتأثر بشوائب وعكارات المواقف الاجتماعية والسياسية.

وقال بيومي: ”الرواية فن مهم في التفاعل مع الواقع ومعطياته، وهي ليست عظة أخلاقية يقدمها شيخ أو قس، فرواية محمد عبدالنبي ليست جريئة على صعيد تناول السلوك الجنسي المختلف فحسب، لكنها أيضًا مغامرة فنية متقنة البناء، ممتعة من حيث اللغة وتقديم الشخوص“.

وأضاف: ”منذ العنوان الدال، إلى النهاية التي تحيل القارئ الجاد روائيًا، يستكمل ويواصل، مرورًا بما بينهما، يقدم الروائي الموهوب، صاحب الرواية الفذة (رجوع الشيخ)، عملاً جديرًا بالاهتمام والتأمل والتقدير، دون نظر إلى الجائزة التي قد لا يحصل عليها، إنه كاتب لا يستعير أصابع غيره عندما يكتب، وهو التعبير الذي استخدمه يوسف إدريس في حديثه عن بهاء طاهر“.

ويجد الناقد الكبير، أن كل أشكال وأنماط ما يُسمى بالشذوذ الجنسي، جديرة بالتناول الروائي، والموقف الرافض للظاهرة، عند الكاتب أو القارئ على حد سواء، لا يعني الانصراف عن التوقف أمام السلوك وتحليله واكتشاف جوانبه المختلفة.

وتابع: ”لابد من التأكيد أن الظاهرة مزيج من الاجتماعي والنفسي والثقافي، ولها تاريخ حافل في الشرق والغرب، وهي الأبرز في دائرة المسكوت عنه، لعنة الإبداع العربي المقيد بعشرات السدود التي نتحصن فيها حتى لا نرى أنفسنا ولا نرى حقائق الحياة الإنسانية“.

ويقدم مصطفى بيومي، دراسته النقدية الهامة عن ”الشذوذ الجنسي في الأدب المصري“ والتي نُشرت عام 2009، ويتناول فيها قضية الشذوذ بالمفهوم الواسع للمصطلح،

وأردف: ”الشذوذ في كتابات يحيى حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وسعد مكاوي وعبدالرحمن الشرقاوي وفتحي غانم ويوسف الشاروني وجمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم ورءوف مسعد وعلاء الأسواني، لكل منهم رؤيته وأسلوبه ومنهجه الذي يمثل مدخلاً مهمًا لفهم عالمه، والقراءة النقدية لأعمال هؤلاء، الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة ومدارس فنية وفكرية متباينة، تتجاوز المفهوم الأكثر شيوعًا للشذوذ، حيث التركيز على العلاقات المثلية، ويتطرق إلى زوايا أخرى لا تقل أهمية“.

واستطرد: ”يحيى حقي، على سبيل المثال، يقدم رؤية متفردة جريئة غير مسبوقة عن العلاقات الجنسية مع الموتى، في قصته الرائدة التي تحمل عنوان (الفراش الشاغر)، تذهب الدراسة إلى أن التباين الطبقي يضفي على معالجة حقي بعدًا اجتماعيًا عميقًا لا ينبغي إغفاله، بالتركيز على الهم النفسي الذي يوحي به الظاهر المباشر، فالعلاقة الجنسية السوية تتسم بالفشل، وتفضي إلى الشذوذ والموت، إن حقي في قصته يقدم شهادة فنية صريحة واعية، بقدر ما هي غير مباشرة، عن أزمة طبقة متآكلة في طريقها إلى الانهيار“.

واستكمل: ”أما نجيب محفوظ، فهو ذو رؤية عميقة شاملة للظاهرة، وفي شخصيات المعلم كرشة في (زقاق المدق)، ورضوان ياسين وعبدالرحيم باشا عيسى في (السكرية)، ما يؤكد ذلك، كما أنه يبدي اهتمامًا بالعلاقات السحاقية في رواية (الحب تحت المطر) من خلال شخصية سمارة وجدي، المرأة المأزومة التي يتوافق سلوكها الجنسي مع تجربتها المريرة“.

وعن الجذور التاريخية لظاهرة الشذوذ، يقول الناقد الكبير: ”نجدها في روايات سعد مكاوي وجمال الغيطاني (السائرون نيامًا) و(الزيني بركات)، وخصوصية الريف المصري ساطعة في عالمي الشرقاوي ويوسف إدريس، وعند فتحي غانم ويوسف الشاروني تطغى المعالجة السياسية عند الأول والتناول الفلسفي الوجودي عند الثاني، وهو ما نجده بدرجات متفاوتة عند صنع الله ورءوف مسعد والأسواني“.

وأخيرًا، وبنظرة بها قدر كبير من التسامح الإنساني قبل النقدي يقول الناقد مصطفى بيومي: ”المجتمع الإنساني، في مصر وغيرها، ليس ملائكيًا ولا يمكن أن يكون، والروائي الذي يتوقف أمام الشذوذ يشتبك مع معطيات الواقع قدر اجتهاده، الابتذال لا يقترن بالفكرة، والبطولة للمعالجة، الكاتب الموهوب قادر على صناعة الجمال الذي ينعش العقل والقلب والروح، دون النظر إلى الموضوع الذي ينشغل به“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com