بوح الأمكنة في أشهر الروايات العربية.. ”مقاومة للمحو والاندثار“

بوح الأمكنة في أشهر الروايات العربية.. ”مقاومة للمحو والاندثار“

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

حي الباتويين العراقي، عمارة يعقوبيان بمنطقة وسط البلد القاهرية، دروز لبنان، أمل العودة للوطن بعد سنوات المنافي للروح والبدن إلى ”حيفا“ و“رام الله“.. تلك هي عناوين أشهر الروايات العربية التي اتخذ مبدعوها سحر الأمكنة العربية، وقدرتها على البوح بأسرار أهلها وناسها وتحولات الزمن والسياسة والحرب عليها، فضاءً إبداعياً لتدوين سردياتهم عن الوطن، وحالات الاغتراب والتهميش التاريخي التي يعيشها سواء كان هذا الوطن يقبع بكل حالاته المتغيرة والقابلة للمحو والاندثار في مدينة بغداد أو القاهرة أو بيروت أو غيرها من المدن العربية.

البداية في حي الباتويين، أحد الأحياء اليهودية القديمة والجميلة في العاصمة العراقية بغداد، والذي تنتشر فيه الدعارة والجريمة وتجارة الأعضاء البشرية الآن، حيث تدور حكايات شخصيات رواية الكاتب العراقي أحمد السعداوي، الحائزة على جائزة البوكر العربية عام 2014 والمعنونة ”فرانكشتاين في بغداد“، والتي تحكي عن هادي العتاك (المعروف في الرواية بالكذاب)، بائع العاديات في حي من أحياء العاصمة العراقية، التي تشهد عمليات تفجيرية من حين لآخر، إذ تبدأ أحداث الرواية في ربيع 2005.

استغل هادي العتاك هذه التفجيرات وتناثر أشلاء الضحايا في جمع هذه الأشلاء، ولصق بعضها البعض، وكانت فرحته كبيرة عندما عثر على آخر عضو (الأنف) وتم تشكيل جثة كاملة لا روح فيها، حلت فيها روح لا جسد لها، فتشكلت شخصية (الشُّسْمَهْ) وتعني بالعراقية الذي لا اسم له، لينطلق هذا الكائن الغريب في عملية انتقام من كل الذين ساهموا في قتله، وأمام تعدد جرائمه، أطلقت عليه السلطات لقب (المجرم اكس) فيما سماه آخرون ”فرانكشتاين“، ورافق عملية قتله للذين قتلوه عملية قتل الأجزاء المكونة له.

يتخذ الروائي العراقي، حي الباتويين في بغداد، نشرة يومية للوطن العراق، الذي يعاني القتل والقهر والفقر، إلى جانب سرد فانتازي مستوحى من رواية ”فرانكنشتاين“ للروائية الإنجليزية ماري شيلي عام 1818.

فكما ينجح البطل فيكتور في الرواية الإنجليزية في خلق وحش بشري، سيخرج -لاحقًا- عن سيطرته ليزرع القتل والتدمير في كل من حوله، إلى أن ينتهي به الأمر إلى قتل فيكتور نفسه! يتحول (الشُّسْمَهْ) إلى قتل الأبرياء والمجرمين دون تمييز.

أما الكاتب اللبناني الشاب ربيع جابر، فيختار بذكاء شديد وحرفية عالية مدينة ”بيروت“ الرائعة، عتبة نصية في أعماله، يراها بألف سرد وسرد.

ففي روايته الفائزة بجائزة البوكر عام 2012 ”دروز بلغراد “ يروي عن بائع البيض المسلوق ”حنا يعقوب“ المقيم في مدينة بيروت، الذي رمت به الصدف ليكون أسيرًا ومنفيًا مع المنفيين من المقاتلين الدروز إلى بلغراد، فيتحول إلى بطل تراجيدي منزوع من عالمه وأشيائه البسيطة، يرمى به إلى المنفى ليزرع في أرض ليست أرضه ويقضي مصيرًا جُهّز لغيره، لتعكس حكاية ”حنا يعقوب“ هشاشة الإنسان في ظل سطوة الواقع ومكايده، فلا أحد يعلم مصيره متى غادر بيته.

رواية ”عمارة يعقوبيان“ للروائي المصري علاء الأسواني، تتناول عمارة حقيقية موجودة في شارع طلعت حرب، وسط القاهرة، بناها في عام 1934 المليونير الأرمني جاكوب يعقوبيان، عميد الجالية الأرمينية في مصر.

يسلط الأسواني، الضوء على التغيرات المتلاحقة على فكر وسلوك المجتمع المصري، في فترة ما بعد الانفتاح من خلال نماذج لأناس واقعيين يعيشون بين أفراد المجتمع، ويسكنون تلك العمارة العتيقة الشاهدة عيان على تقلبات المجتمع المصري، ومساراته المتلاحقة من القرن العشرين.

لتبقى في النهاية الأعمال الروائية الفلسطينية، هي درة السرديات العربية، التي تحتفي بالمكان سواء باتخاذ المدن الفلسطينية بأزقتها وشوارعها الحجرية الضيقة وناسها المتمسكين بمفاتيح بيوتها على أمل العودة مرة أخرى، كخلفية للعمل، أو أن يكون عنوان العمل الروائي نفسه احتفاء بالمكان الفلسطيني، نتيجة إحساس الروائي بالنفي والألم والغربة الناتج عن الاقتلاع القسري من الوطن والأرض.

ولعل رواية ”عائد إلى حيفا“ للروائي الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني، والتي صدرت عام 1969 وأصبحت من كلاسيكيات الأدب الفلسطيني كخير نموذج، حيث تدور الرواية حول أب وأم فلسطينيين من سكان حيفا عام 1948، وبسبب الأهوال التي تمر بها مدينتهم يوم احتلال العصابات الصهيونية لها، يتركون وراءهم طفلاً رضيعًا، تقوم بتربيته عائلة يهودية، ثم يأتي يوم يقرر فيه الوالدان زيارة بيتهما القديم، والبحث عن ابنهما الضائع بعد عشرين عامًا.

وهي إسقاط فلسفي شديد العمق عن حالة التشويش التي يعيش فيها الفلسطيني، المضطر دوماً للتعامل مع واقع مر، يوجد فيه محتل لأرضه، ويتحدث مع أناس آخرين يسكنون بيته.

كذلك كتاب “رأيت رام الله” للشاعرالفلسطيني مريد البرغوثي، والصادر عام 1997 وحصل على جائزة ”نجيب محفوظ“ في العام نقسه، ثم أعيدت طباعته وتمت ترجمته لبضع لغات حول العالم.

والكتاب سيرة ذاتية شجية في قالب شعري أدبيّ، يتحدث فيها الكاتب عن رحلة عودته إلى الضفة الغربية، وإلى قريته “دير غسانة” بعد سنوات طويلة من الاغتراب عن الوطن بسبب عدم امتلاكه للوثائق اللازمة للمرور عبر المعبر الإسرائيلي، الرابط بين الأردن والضفة الغربية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com