في رواية واسيني الأعرج.. أحدث ما صدر عن “نساء كازانوفا”

في رواية واسيني الأعرج.. أحدث ما صدر عن “نساء كازانوفا”

حياته الغامضة، كلماته الساحرة، القائمة الطويلة من النساء اللاتي وقعن في عشقه، وكن على استعداد للموت في سبيله، وأخيرًا وسامته المفرطة وقدرته الرهيبة على قنص قلوب النساء، ربما تلك الأسباب وغيرها هي التي جعلت من شخصية جياكومو كازانوفا، المولود عام 1725، بمدينة فينيسيا الإيطالية، أشهر عاشق في التاريخ الإنساني، وملهم للعديد من الباحثين والروائيين الذين وجدوا متعة سردية في اقتفاء أثره، وتناولها بزاوية عصرهم، وما يريدون أن يسقطوه من حياته على واقعهم المعيش.

الكاتب الجزائري واسيني الأعرج، آخر روائي استعار ملكات وقدرات “كازانوفا” في فنون الحب والعشق، حيث صدر له مؤخرًا عن دار الآداب روايته الجديدة “نساء كازانوفا”، وقد أراد واسيني الأعرج، أن يكون خبر صدور روايته الجديدة من بين آخر التدوينات على صفحته في الفضاء الأزرق، قبل أن يغادره قريبًا.

كما كتب يقول: “أخرج قريبًا من هذه الصفحة العزيزة عليّ، حاملاً باقة ورد منكم جميعًا، والكثير من حبكم وعطفكم ونبلكم وأفراحكم التي تقاسمناها هذه السنة مثل الأطفال، كانت الأشهر الأخيرة ثقيلة عليّ جدًا بآثارها ومتاعبها وتنقلاتها”.

ويختار الأعرج شخصية كازانوفا التاريخية المربكة عاطفيًا وتاريخيًا، ليحولها لشخصية عصرية، فهو رجل أعمال في مدينة متخيلة وافتراضية، تسمى “منارة سيتي”، يستخدم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في أعماله التجارية، ولديه صلات ونفوذ بكل الشخصيات الهامة والمؤثرة في المدينة.

فجأة ودون سابق إنذار، يسقط “كازانوفا”، إثر جلطة دماغية جعلته فاقدًا للنطق والحركة، لتتحول هذه اللحظة المأساوية في حياته، والتي يستشعر فيها دنو أجله، أن يلتمس المغفرة من زوجاته الأربع وخادمته، لكي يتسامح معهنّ، ويعتذر لهنَّ قبل موته.

كل زوجة من زوجات “كازانوفا”، تشكل عالمًا مختلفًا عن الأخرى، فهناك الساحرة ساراي والفنانة زينا والطالبة روكينا والخادمة مباركة، تتقدمهن الزوجة الأولى لالّة.

ليتحول لقاء الاعتراف بين “كازانوفا” وزوجاته، إلى مأساة إنسانية حقيقية، ولتنكشف أمام عينيه، ومن خلال حديث كل واحدة منهن عن مشاعرها تجاه تاريخه القاسي الذي سرق براءتهنّ وحوَّلهنَّ إلى لا شيء، بلا اسم ولا هويَّة.

ينتصر الكاتب الكبير، في روايته “نساء كازانوفا”، للمرأة العربية التي تلوذ بالصمت طوال الوقت، بينما يتم قهرها وتقزيمها من جانب الرجل الشرقي الذي لا يراها سوى مجرّدَ متاع بيتيّ، ولا قوَّة خلَّاقة تشكِّل أكثر من نصف المجتمع.

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استدعاء “كازانوفا” ونسائه، من بين صفحات التاريخ، وبعد مرور قرون على وفاته، فهناك دراسة هامة للكاتبة البريطانية “جوديث سامرز”، تحمل عنوان رواية الكاتب واسيني الأعرج، وهي “نساء كازانوفا: الغاوي العظيم والنساء اللاتي أحبهن”.

إذ ترى في كتابها، أن العاشق الإيطالي الشهير “كازانوفا” ليس في الواقع كما روّجت عنه الروايات المختلفة رجلاً يستغل النساء ويوقعهن بشباكه، بل إن الحقيقة التاريخية مفادها أن جياكومو كازانوفا، كان ضحية النساء، وأنه من بين أكثر من 200 امرأة، وقعن ضحية لإغراء كازانوفا كان بعضهن من الضحايا فعلًا، إلا أن العديد منهن “استغل كرمه ورقته وحسه المرهف”.

كما أكدت الكاتبة البريطانية “سامرز”، أن “كازانوفا” الذي عاش في مدينة البندقية في القرن الثامن عشر، كان مؤيدًا للنساء وأن إيمانه بالمساواة بين الرجل والمرأة كان سابقًا لعصره.

ربما تكون رواية “كازانوفا في بولزانو”، للكاتب المجري الكبير ساندور ماراي، المولود في عام 1900، هي أقدم السرديات التي تناولت شخصية “كازانوفا”، وحياته، حيث نُشرت للمرّة الأولى في بودابست عام 1940، ونقلتها إلى العربية عن الترجمة الإنجليزية صادرةً عن دار التنوير، “إيمان حرزالله”.

وفي حوالي 300 صفحة، نتتبّع سيرة “كازانوفا” بعد هروبه عام 1756 من سجن الليدز في البندقية، وهي واقعة حدثت بالفعل في تاريخ شخصية كازانوفا الحقيقية، أما باقي أحداث الرواية فيحرص “ماراي” على أنه يبدأ من نقطة حقيقية في حياة كازانوفا، لكن كُل ما يليها نتاج قلمه، ليصل كما يراه، إلى بولزانو بائسًا ومُعدمًا، يصحبه قس مشلوح أعانه على الهرب اسمه “بالبي” يُعامله معاملة خادمه، ليستقرا في فندق “الستاج” الفخم.

ويعود “كازانوفا” لكونه المغامر العربيد، زير النساء، المُقامر، والكاتب والفيلسوف أيضًا إلى نفسِه هناك.

في النهاية سيظل جياكومو كازانوفا، تلك الشخصية الغامضة المحتفظة بتوهجها وقدرتها على الحضور في السرديات العربية والعالمية، وحتى على الشاشة الفضية، حيث جسده أكثر نجوم السينما الفرنسية وسامة “آلان ديلون”، وتم إنتاج فيلم سينمائي شهير يحمل اسم هذا العاشق، لعب دوره الممثل الشاب الراحل “هيث ليدجر”.

ويكفي أن نعرف، أن المكتبة الوطنية الفرنسية تقتني مذكرات العاشق الشهير كازانوفا، وتقدر قيمتها بمبلغ سبعة ملايين يورو، والتي كتبها بالفرنسية في 4545 صفحة، ويحكي فيها عن حياته ومغامراتة الغرامية مع أكثر من 122 امرأة.