في ذكرى رحيله.. عبد الرحمن الشرقاوي أول أديب يكشف حقيقة الريف المصري

في ذكرى رحيله.. عبد الرحمن الشرقاوي أول أديب يكشف حقيقة الريف المصري

تمر هذه الأيام ذكرى رحيل الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي أبرز من وصف أجواء الريف المصري في رواياته، وعبّر عن جماله بنظرة رومانسية شاعرية بعيدة عن الواقع الفعلي للريف، وبؤس ساكنيه من الفلاحين.

وكان ذلك حين عرف المشهد الروائي العربي في عام 1950 إصدار الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي التي تمر ذكرى ميلاده في 10 نوفمبر عام 1920، روايته المشهورة “الأرض”، وهي الرواية التي يعتبرها العديد من النقاد “العمدة” في تعرية وكشف واقع الريف المصري، والنموذج الأبرز لمذهب الواقعية الاشتراكية.

هنا قدم “الشرقاوي” القرية المصرية لأول مرة بعيدًا عن النظرة الرومانسية، التي صورتها جنة زاهية، ليضع أيدينا على ما كان يصيب الريف وناسه، من تناقضات الإقطاع والاحتلال والفساد التي وصلت بهم إلى حدود الصراع من أجل البقاء.

تحتفظ ذاكرة عبد الرحمن الشرقاوي، المولود في إحدى قرى مركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية، بصور الريف في مطلع القرن الماضي أيام طفولته الأولى، حيث تلقى تعليمه بالمدرسة الأولية بالبلدة، وحفظ أجزاء القرآن الکريم علی يد شيخ القرية وفقيهها، وقبل ذهابه إلی المدرسة الابتدائيّة، کان ما يزال يستحم في الترعة الصغيرة، بل کان يمرغ جسده علی التراب ويکسو وجهه ورأسه بالطين، ليشبه العفريت مع الصغار أمثاله، سواء من الأولاد أو البنات، ثم يقفزون إلی الترعة الصغيرة في الماءِ المثقل بالطمي.

الشرقاوي ورواية زينب لهيكل

ارتبط الكاتب الكبير بدون وعي، برواية “زينب” التي ألفها محمد حسنين هيكل، عاقداً مقارنات تبدو للوهلة الأولى حديث ذكريات الشباب، وتسجيل لحظات العنفوان والشغف بالقراءة وتكوين الذات.

وكان هيكل أصدر في العام 1914 بالقاهرة، الطبعة الأولى من رواية “زينب”، وكان العنوان الفرعي لها هو مناظر وأخلاق ريفية”، ولم يوقع هيكل باسمه الحقيقي على الطبعة، إنما وقع باسم بـ”مصري فلاح”، خشية افتضاح أمره وسط طبقته، لأن مهنة الكتابة لم يكن لها قسط كبير من التقدير والاحترام في ذلك الوقت.

لكن المتأمل لما سجله الشرقاوي، عن رواية “زينب” سيجده يقطر ألماً عن حديث الريف الذي يعرفه الخالي من الشقاء عند  محمد حسنين هيكل، فكتب قائلا “کنت وأنا علی الساقية أسترجع ما قرأت في الصيف، کنت أسترجع دائما کتاب الأيام وإبراهيم الکـاتب وزينب، وکنت أری في قريتي أطفالاً عديدين، أکل الذباب عيونهم، کالقرية التي عاش فيها صاحب الأيام”.

وأضاف الشرقاوي “تمنيت لو أنّ قريتي کانت هي الأخری بلا متاعب، کالقرية التي عاشت فيها زينب، الفلاحون فيها لا يتشاجرون علی الماء، والحکومة لا تحرمهم من الرّي والأطفال فيها لا يأکلون الطين، ولا يحطّ الذباب علی عيونهم الحلوة، وکانت قريتي هي الأخری، جميلة کقرية زينب وأشجار جميزة التوت، تمتد علی جسرها، وتلقي ظلالها المتشابكة على ماء النهر”.

وأردف الشرقاوي بقوله “في حوض الترعة في قريتي، حيث تنتزع الحکومة الأرض، کانت الحقول مجللّة بمساحات رائعة من القطن، وعلی حوض الجسر، تمتد أسماء بلا نهاية فوق خضرة متموّجة، علی أنّ قرية “زينب” لم تعرف طعم الکرابيج، کما عرفت قريتي ولم تذق قرية “زينب” اضطراب مواعيد الري، ولم تجرّب بول الخيل يصيب من الأفواه، ولم تعرف زهو النصر، وهي تتحدی القضاءِ والإنجليز والعمدة وتنصر لبعض الوقت”.

رواية الأرض

وتحدث الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، عن روايته الرائدة “الأرض”، التي كتبها في العام 1950 لتتحول إلى أشخاص من لحم ودم، في فيلم العبقري السينمائي يوسف شاهين في العام 1970، وحمل العنوان الرواية نفسها “الأرض”، حيث جعل أبطالها يسكنون ذاكرتنا جميعًا، محمد أبو سويلم وعبد الهادي ووصيفة ومحمد أفندي والشيخ يوسف والعمدة، هي شخصيات حقيقية أكثر من كونها روائية.

في دراسة هامة عن كتابات الشرقاوي نالت عنها الباحثة الإيرانية سوسن باقري درجة الماجستير، الخريجة في جامعة آزاد الإسلامية في کرج، تؤكد على أن “دراسة أدب الشّرقاوي توحي أنّه يکتب ليعبر عن آرائه في القضايا السياسيّة والاجتماعيّة المهمة في عصره، فيعبر عنها بالکلمات التي تصف صدق عاطفته وإخلاصه، وبهذه الکلمات الصادقة يشجّع جيله علی المطالبة بحقوقهم المفقودة”.

وتابعت باقري في دراستها عن الشرقاوي بقولها “حيث کان عبد الرّحمن الشّرقاوي واحداً من الکتاب العرب المسلمين، الذين فهموا الإسلام علی حقيقته وأدرك أنّ جوهره هو مساندة الفقراء والمستضعفين في الأرض، وهو القائل لو کان کارل مارکس قرأ القرآن ودرس السّنة المحمّديّة، لمّا احتاج أن يؤلف رأس المال”.

سيرة ذاتية

ودع الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي الحياة، حيث جاء إلی هذا العالم في يوم 10 تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1920، ورحل أيضًا في اليوم نفسه من العام 1987 بعد 67 عاماً هي سنوات حياته.

يتحدث نجله شريف الشّرقاوي عن أيامه الأخيرة قائلاً: “کان دائم الصّلاة والبکاء عند سماعه للقرآن”.

حصل عبد الرحمن الشرقاوي على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1974.

من مؤلفات الشرقاوي

يذكر أن الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، كان شاعرا وأديبا وصحافيا ومؤلفا مسرحيا ومفكرا إسلاميا مصريا من الطراز الفريد، ترك العديد من الأعمال الخالدة منها مسرحيات “الحسين شهيداً وثائراً و”الفتى مهران” و”أحمد عرابي”، إلى جانب التراجم الإسلامية.

كتب الشرقاوي “محمد رسول الحرية”، و”علي إمام المتقين”، و”الفاروق عمر”، كما شارك في سيناريو فيلم الرسالة بالاشتراك مع توفيق الحكيم، وعبد الحميد جودة السحار.