كيف تطورت القصة القصيرة في السعودية؟

كيف تطورت القصة القصيرة في السعودية؟

لم تكن القصة متداولة كمفهوم في الوسط الثقافي السعودي قبل ثلاثينيات القرن الماضي، وكان الأمر يقتصر على الأخبار والحكايات التي تتحدث عن الأجداد والأحداث السابقة، واشتملت على الوعظ وبعض الحكم البسيطة، وخلت جميعها من مقومات القصة القصيرة التي تعتمد على الشخصية الرئيسية والثانوية والحوار والقوس الدرامي وتفاصيل متعلقة بأسلوب السرد والتكنيك الذي يتبعه الكاتب لجذب القارئ.

محاولات

مرت القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية بثلاث مراحل، بدأت بمرحلة المحاولات الأولية (1931م-1960م)، وخلال هذه الفترة كانت المحاولات الأولى لتشكيل بذرة القصة في قالب فني، بعد فترة من الترجمات عن الأدب الفارسي فيما سبق.

وظهرت قصة "التوأمان" لعبد القدوس الأنصاري، وعمل الكاتب على تعزيز الهوية العربية بشكل تعليمي إصلاحي، كما ظهرت قصة "فكرة" للكاتب أحمد السباعي، وتناول فيها قصة فتاة تنتقل من البادية للمدينة، وتميزت بالمزج بين الواقع والخيال، كما تخلى الكاتب خلالها عن الوعظ، وصاغ الأحداث من خلال قالب فني يزيد من مساحة التأمل والتفكير.

واشتملت هذه المرحلة على قصة "البعث" للكاتب محمد علي مغربي، الذي قدم معيارًا فنيًا جديدًا، حيث اتسمت كتابته بجمال الأسلوب والتوصيف للأحداث، إذ قدم خلال سرده قصة رجل هاجر للعلاج والعمل في الهند، ويحدثنا عن تجربة النجاح في التجارة.

كما قدم الكاتب محمد العامودي قصة "رامز" التي غيرت مفهوم الحجم في القصة، واعتمد الكاتب على المصادفة والتقرير في الأسلوب، وميزت ما بين الأقصوصة بتركيزها على جانب واحد من الشخصية الرئيسة للسرد، والقصة القصيرة باعتمادها على شخصية أساسية وشخصية ثانوية، وقوس فني وحدث متوتر، وهو ما يعتبر بداية تشكل معايير فنية للحكم على أشكال السرد المختلفة.

إثبات وجود

أما المرحلة الثانية في نشأة وتطور القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية، فكانت مرحلة إثبات الوجود، وامتدت ما بين (1961- 1980)، وتميزت بعودة جيل من الشباب السعودي المثقف، وبِدء انتشار الأدوات الإعلامية وانتشار الصحف في المملكة، وهو ما شجع الشباب على الانخراط في الوسط الثقافي السعودي، في ظل تطور الشكل الفني للقصة، واكتمال أدوات البناء بحكم الاحتكاك بالغرب.

وكان الكاتب حامد دمنهوري في صدارة هذا التطور من خلال قصة "ثمن التضحية"، واعتمد خلالها ملاحقة مشاعر البطل من لحظة التعليم حتى نجاحه في العمل، واتبع مواربة الأشياء والاستبطان خلال السرد وفق أسلوب فني جذاب، واعتمد كذلك الحوار المُلمح، وكذلك المونولوج الداخلي للشخصية، واهتم بوصف المكان ووضح أثر التوتر خلال السرد، محققًا بذلك صوت القصة الفني المتشابك مع الإنسان عبر أدواتها الفنية الرئيسية.

وظهرت المرأة كقاصة خلال هذه المرحلة، مثل الكاتبة سميرة بنت الصحراء التي قدمت قصة "ودعت آمالي" و"ذكريات دامعة"، وكانت تعتمد على الحوار الذاتي والتأملات في المجتمع، فيما اعتمدت في معظم قصصها النهايات المؤلمة، والصورة السوداوية عن الواقع.

كما ظهر الكاتب إبراهيم الناصر في قصة "عذراء المنفى"، وقدم خلال سرده تيار الوعي من خلال النقد الاجتماعي والاهتمام بالمرأة وصراعها مع الهيكل الاجتماعي، وأضاف للقصة السعودية، الرمزية، حيث من خلال سرده اعتمد الرموز للتدليل على المعنى المبطن، واتسمت لغته بالميل للرومانسية، وظهر في هذه المرحلة محمد يماني، وعبدالرحمن منيف والعديد من الكتاب الشباب.

وكانت أشكال القصة خلال تلك المرحلة مقسمة ما بين الرومانسي والواقعي والتاريخي والأسطوري الرمزي.

تجديد وتطوير

أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة التجديد والتطوير، وهي من 1980 فما بعد، وزاد عدد الكتاب وبدأت دور النشر في أخذ مكانتها، وخاضت الحركة الثقافية مخاضات متعددة، مفرزة جيلًا نقديًا أسهم في تطور القصة السعودية.

وظهر الكاتب عصام خوقير في قصة "الدوامة والمتغيرات الجديدة"، إذ ركز خلالها على بناء شخصية المرأة اجتماعيًا، والأدوات التي يمكن أن تمتلكها لتواجه المجتمع دون خسارات كبيرة، وأضاف للحوار اللهجة العامية، فيما جاء سرده بالفصحى.

وظهر التكثيف في اللغة السردية من خلال الكاتب إبراهيم الناصر في قصة "غيوم الخريف"، واهتم بزيادة عدد الشخصيات وأكثر من الأحداث الهامشية خلال السرد، خالطًا ما بين المواصفات الفنية للقصة القصيرة والرواية.

كما ظهر في هذه المرحلة التمييز ما بين الإيقاع السريع والبطيء للسرد السعودي، واللغة المكثفة واللغة السلسة المسترسلة، كما اهتم النقاد بشكل وتكنيكات السرد التي يتبعها الكتاب، فيما ظهر لفظ الواقعية الاجتماعية، وتطرق من خلاله الكتاب لمشاكل المرأة وصراعات المجتمع من أجل الحفاظ على عاداته وتقاليده، أو التخلص منها.

ودرج منهج التحليل النفسي للشخصيات، وكان مثالًا على ذلك قصص الكاتب عبدالله الجفري، التي اشتغلت على مضمون الفكر الإنساني والحالة الفردية الذاتية.

وظهر فيما بعد منهج الإيحاء الرمزي بقالب شكلي، كترك الفراغات خلال السرد أو سحب وإخفاء علامات الترقيم أو تكرارها، بهدف لفت عين القارئ لجانب فني ما.

واستخدم هذا المنهج طريقة غموض الشخصيات والأحداث، من خلال وضع رموز ما تدلل على نفسية الشخصية، أو التيار الفكري الذي تتبع له هذه الشخصية، وظهر هذا في المجموعة القصصية "أقصوصة الصمت والدمار" للكاتب عبدالله الرحمي العتيق.

وتميزت القصة القصيرة بالسعودية في العصر الحداثي، بتنوع الموضوعات والانفتاح على ثقافات مختلفة، وتحلل القيود الذاتية الفكرية والعاطفية التي التزم بها الكتاب سابقًا، فكتبوا عن الجندرية والصراع بين الرجل والمرأة، والجنس والخيانة والخذلان والصراع النفسي الداخلي للإنسان والسوداوية مع الحياة، وصارت القصة أكثر زخمًا في المعرفة والتلميحات والبناء للشخصيات والأماكن.

وأفرزت القصة الحداثية المعاصرة، مساحة أكبر للتخييل في أماكن فكرية مختلفة عبر أدوات تعتمد على الصدمة والمباغتة، وعناصر التفكيك والتجميع للأحداث خلال السرد، وتخلصوا من قوالب المنع عبر الترميز والإيحاء دون اللفظ المباشر، كما يهتم الكتاب السعوديون المعاصرون بجمالية اللغة، والمعنى المبطن الموحي خلف الكلمات، وصارت المجموعات القصصية المنشورة حديثًا، مكتملة من الجانب الفني، وتحقق مبيعات كبيرة في المنطقة العربية، وبعضها تمت ترجمتها للغات عدة.

وممن ظهر حديثًا، القاص السعودي عبدالله ناصر في مجموعته القصصية "فن التخلي"، والقاص حسين السنونة في عدة مجموعات قصصية منها "أقنعة من لحم"، والقاصة فوزية الجارالله ولها "في البدء كان الرحيل".

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com