"الأزبكية".. ما لم يؤرخه "الجبرتي" وذكره ناصر عراق

"الأزبكية".. ما لم يؤرخه "الجبرتي"...

الروائي المصري يكشف عورات كافة الأطراف في فترة الاحتلال الفرنسي لمصر وفهم كل طرف لمعنى الحرية والمساواة والعدالة.

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

”إنه كان أحسن الأزمان وكان أسوأ الأزمان.. كان عهد اليقين والإيمان.. وكان عهد الحيرة والشكوك.. كان أوان النور وكان أوان الظلام.. كان ربيع الرجاء وكان زمهرير القنوط.. بين أيدينا كل شيء وليس في أيدينا أي شيء، وسبيلنا جميعًا إلى سماء عليين، وسبيلنا جميعًا إلى قرار الجحيم.. تلك أيام كأيامنا هذه التي يوصينا الصاخبون من ثقافتها بأن نأخذها على علاتها، وألاّ نذكرها إلا بصيغة المبالغة فيما اشتملت عليه من طيبات ومن آفات“.

هذه سطور جاءت في مقدمة ”قصة مدينتين“ للروائي الإنجليزي شارلز ديكنز (1812 – 1870) فيما قاله عن عصر الثورة الفرنسية .

وهي نفس الكلمات التي كان من الممكن أن يكتبها الروائي المصري ناصر عراق، كمقدمة يفتتح بها روايته البديعة ”الأزبكية“، والتي فازت منذ يومين فقط بجائزة ”كتارا“ للرواية.

واستعان بدلًا منها، بمجموعة من الوثائق الخاصة بمخطوط الفيلسوف الألماني ليبنتز ”غزو مصر“، التي قدمها للملك الفرنسي لويس الرابع عشر العام 1672، وكانت إحدى القراءات الهامة التي اطلع عليها نابليون بونابرت، وأغرته لكي يقود حملة فرنسية تتجه إلى مصر، لتحتلها وتصبح قاعدة فرنسا في الشرق العام 1798، إلى جانب وثائق ومكاتبات تتعلق بكافة الأطراف المعنية بتلك السنوات الحاسمة من تاريخ المحروسة، بداية من خطبة نابليون إلى جنوده على متن السفينة لوريان في عرض البحر المتوسط، في الثاني عشر من يوليو 1798، ونهاية بمقتطف من كتاب عمر مكرم، نقيب الأشراف، والشيخ عبدالله الشرقاوي، وكبار التجار، وهم يخاطبون محمد علي المسعود بن إبراهيم آغا القوللي، الضابط الألباني الذي جاء مع الجيش العثماني لطرد الفرنساوية من مصر، في منزله بالأزبكية، ليلة الثاني عشر من مايو العام 1805، لكي يطلبوا منه أن يتولى حكم مصر وهو الغريب، ابن مدينة قولة اليونانية، والذي استطاع أن يعتلي عرش مصر العام 1805، بعد أن ثار الشعب على سلفه خورشيد باشا، ومكّنه ذكاؤه واستغلاله للظروف المحيطة به، من أن يستمر في حكم مصر ويورثها من بعده لأبنائه.

هؤلاء المشايخ والتجار يتقدّمهم عمر مكرم، لم يطلبوا الحكم لأحد من أبناء جلدتهم المصريين، الذين بقيوا مدة 3 سنوات وهي الفترة التي قضتها الحملة الفرنسية في مصر، يقاومون بشراسة، رافضين وجود ”الفرنساوية الكفار“ في ديار المسلمين!.

هنا يكشف الروائي ناصر عراق، عورات كافة الأطراف في تلك اللحظة التاريخية الملتبسة، وفهم كل طرف لمعنى الحرية والمساواة والعدالة، والأهم من كل ذلك، مفهوم الوطن، وعلى من يجب أن يتم استعادته وتولي حكمه؟، هل الأحق لأبنائه الذين ضحوا بدمائهم وحياتهم وقوتهم من أجل بقائه؟، أم الوطن للخليفة العثماني لأنه مسلم أيًا كان خداعه وأطماعه في خيرات هذا الوطن وكنوزه؟، لتبقى العلاقة بين المصريين بالغرب متمثلاً في فرنسا علاقة مرضية بين الركوع التام لها أو الرفض القاطع لمنجزاتها.

أسئلة مربكة ومصيرية، ولكن ناصر عراق حاول من خلال ”الأزبكية“، أن يقول ما لم يرويه المؤرخ الكبير عبدالرحمن الجبرتي، في سرده لوقائع ويوميات الحملة الفرنسية على مصر، خلال وجودها لمدة ثلاث سنوات كاملة (1798 – 1801).

وتناول عراق، في ”الأزبكية“، تلك السنوات السبع الأكثر ارتباكاً وغموضاً في تاريخ المحروسة، بعد خمول سياسي وفساد مملوكي وعثماني، دام قرونًا، فتبدأ شخصيات الرواية في الحكي عن مصائرهم وعصرهم وفهمهم للغازي والخليفة وولى الأمر، وصاحب العقد والحل قبل مجيء الحملة الفرنسية على مصر بعامين، أي منذ العام 1796.

ينقلنا ناصر بين قصور وأزقة وحواري منطقة الأزبكية، ببركتها الشهيرة، والتي فرّ من قصرها عشية دخول بونابرت قائد الحملة الفرنسية الإسكندرية محمد بك الألفي، هاربًا إلى الصعيد، تاركًا المصريين لمصيرهم المجهول، يواجهون الغازي القادم بالنبابيت والتضرع لله.

شخصيات الروائي ناصر عراق، في ”الأزبكية“ ذات دلالات بالغة الأهمية، حيث استطاع بلغة سردية سهلة وممتعة أن يصل إلى مرماها الحقيقي، لعلنا نتعلم من دروس الماضي ما يعيننا على تفسير الحاضر المرتبك، والأكثر تعقيدًا في عمر الوطن، فهناك الأزهري الذي لا يريد الالتحاق بالمشيخة، وإنما يعمل في نسخ الكتب وتوزيعها ”أيوب السبع“، صاحب الإيمان الراسخ بالخلافة العثمانية على مصر، حتى لو كانت جائرة وناهبة لخيرات الوطن ومقدراته، ليتحول هذا الفكر المغلوط لمعنى الوطن الأحق بترابه وهم أبناؤه، حينما توطدت علاقته بالرسام الفرنسي المقيم في مصر قبل مجيء نابليون إليها، بحملته ”شارل“، المخلص الحقيقي لمبادئ الثورة الفرنسية، والتي يخسر من أجلها حبيبته، أثناء اقتحام سجن الباستيل، دفاعًا عن الإخاء والمساواة والحرية.

فيبدأ ”أيوب“، بتغيير نظرته لفكرة الغازي للوطن، فهو لم يعادِ فقط ”الفرنساوية الكفار“ الذين احتلوا ديار المسلمين، بل أيضاً العثمانيين والمماليك الذين أذاقوا المصريين لقرون الذل والهوان، ولم يقلوا في بغيهم عن أي محتل آخر، ليبدأ وعيه يتفتح على الحقيقة الوطنية المصيرية بأن مصر للمصريين، وأنه لابد لمن يحكم مصر أن يكون مصريًا خاصة وأنه منذ جاء نابليون، حكمها 6 حكام آخرهم محمد علي، وكل فترة حكمهم مجتمعة لم تزد على 5 سنوات، فلا يختلف في نهاية الأمر نابليون الفرنسي عن خسرو العثماني ولا عن البرديسي ولا عن محمد علي الحقيقي، فكلهم جاءوا لنهب البلد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com