”الحركي“.. رواية المسكوت عنه في الثورة الجزائرية – إرم نيوز‬‎

”الحركي“.. رواية المسكوت عنه في الثورة الجزائرية

”الحركي“.. رواية المسكوت عنه في الثورة الجزائرية

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

قد لا تعني كلمة ”الحركي“ في الوعي العربي، أي مدلول تاريخي أو اجتماعي، لكن بمجرد أن تنطق تلك الكلمة اللغز أمام مواطن جزائري، فأنت هنا تفتح جرحًا وطنيًا ما زال ينزف ولم يندمل بعد، على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن ويزيد، على استقلال الجزائر من الاحتلال الفرنسي.

”الحركي“ في الذاكرة الشعبية والجماعية الجزائرية، تعني كل جزائري تعاون مع جيش الاحتلال الفرنسي ضد الثوار الجزائريين، سواء جاء ذلك نتيجة تعرّضه لضغوط اقتصادية طاحنة، أو عدم الإيمان بإمكانية نجاح الثورة، مع أن البعض استيقظ ضميره ليلتحق بصفوف الثورة إلى جانب شعبه، وينال شرف المشاركة في حرب التحرير، إلا أن ذلك جاء متأخرًا.

كل تلك العوامل وغيرها جعل شخصية ”الحركي“ لغزًا روائيًا تسابق عدد كبير من الروائيين الجزائرين، في محاولة فكها أو الوصول إلى الدهاليز النفسية المعقدة لها، في محاولة لقراءتها، بعد أن تحولت مع مرور السنين وكثرة الحكايات والقصص التي نسجت حولها، إلى أسطورة يصعب النظر إليها بحياد.

آخر هؤلاء، الروائي الجزائري محمد بن جبار، في ثاني عمل روائي له، بعد روايته الأولى ”أربعمائة متر فوق مستوى الوعي“، التي صدرت السنة الماضية، بعنوان ”الحركي“، مستخدماً الصفة التي طالما حاول الجزائريون نسيانها من تاريخهم، وهم عملاء الجيش الفرنسي، أو ما يسمى بـ“خونة الثورة الجزائرية“، الذين تم عقابهم إما بالجلاء عن مناطق سكنهم، أو عدم السماح لهم بالحديث أو رفع أصواتهم منذ أكثر من خمسين عامًا.

1.jpg

ويواصل الكاتب الجزائري الشاب، سرد التاريخ الجزائري المؤلم ومحطاته المعذبة، فبعد أن قدم في روايته الأولى ”أربعمائة متر فوق مستوى الوعي“، ومن خلال شخصية ”عواد“، الموظف الذي يجري وراءه خمسة وعشرون عامًا من البلادة المهنية، يستفيق متأخراً ليكتشف ذاته وعالمًا من النفاق الاجتماعي، وعمليات ممنهجة لتزييف التاريخ الجزائري.

فحسبما يقول ”بن جبار“ عن عمله الروائي الأول: ”الإنسان أكثر وضـوحًا من أي عـواد آخر! عواد كأي (بونادم) كهل جرجر من ورائه تاريخًا شخصيًا يتقاطع مع نقاط مهمـة من تاريخ الجزائر الحديثـة، ليس مصادفـة أنه ولد سنة الانقلاب البومديني، وسنة تخرجه توافقت مع ربيع الجزائر 1988، ويوم توظيفه توافقت مع اغتيال الرئيس بوضياف، عواد الإنسان الذي عايش ظروفًا مؤلمـة وتقلبات حرجـة وهو شاهدٌ على مرحلـة دمويـة من أسوأ المراحل في حياة جيلنــا“.

وأضاف: ”عـواد الإنسان بين هــذا وذاك، حافظ على ما تبقى من إنسانيته“.

ولم ينس في تلك الرواية، أن يقدم محمد بن جبار، وعلى استحياء، شخصية عمي الجيلالي، الذي مثل الأرشيف الحي بالنسبة لشخصية ”عواد“، وحكى له عن شخصية ”الحركي“، ودوره في كتابة تاريخ الجزائر وتعاونه مع الاحتلال الفرنسي.

ليذهب الكاتب الجزائري في تاريخ بلاده، لأبعد مما عاشه ”عواد“، بطل روايته الأولى، حيث يتناول سنوات الثورة الجزائرية وأبطالها ومن خانوها، فشخصية ”بن شارف الحرْكي“ في عمله الثاني ”الحركي“، هي الرئيسة في الرواية.

3.jpg

ومن خلال سيرته، يقدم محمد بن جبار، الدوافع النفسية التي جعلت بطله يتعاون مع الاستعمار الفرنسي، كما يؤرخ للتفاصيل الدقيقـة للحرْكي، والمتعاونين معه لقضاء حوائجهم عند مسؤول أو التعامل معهم باحترام، خوفاً من بطشهم ونفوذهم، وتفاصيل التحوّل النفسي للبطل ”بن شارف“، بعد مقتل أحد ”المخازنيـة“، واستفاقـة الضمير ووعيـه باقتراف جريمة ضد وطنه.

”الحركي“، بدأ مع البطل ”بن شارف“ بجهله ورغبته الجامحة في الانتقام من العم، الذي استولى على أرضهم، ونتيجة لخوفه من القصاص، ينضم إلى ثكنة عسكرية فرنسية، وليجد نفسه عميلًا وخائنًا لوطنه، بعد سنوات الخدمة مع جيش الاحتلال.

يذكر، أن الروائي الجزائري محمد بن جبار، المولود العام 1965 في مدينة ”غليزان“، نشأ في الحيّ العتيق بالمدينة ”الرمان”، والتحق بالجامعـة ودرس الحقوق، وحصل على شهـادة المحاماة، وعمل بمديريـة المصالح الفلاحية، ورئيس مكتب ببلدية المطمر، كما كتب العديد من القصص القصيرة التي نشرها له عدد من الجرائد الوطنيـة والعربيـة، قبل أن يصدر عمله الروائي الأول عام 2015.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com