بعد نصف قرن من صدورها.. قراءة جديدة لـ“موسم الهجرة إلى الشمال“

بعد نصف قرن من صدورها.. قراءة جديدة لـ“موسم الهجرة إلى الشمال“

المصدر: نعمة عزالدين - إرم نيوز

”الجميع مثلنا تمامًا, يولدون ويموتون وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحلمون أحلامًا بعضها يصدق وبعضها يخيب، ويخافون من المجهول، وينشدون الحب، ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد، فيهم أقوياء، وبينهم مستضعفون, بعضهم أعطته الحياة اكثر مما يستحق، وبعضهم حرمته، لكن الفروق تضيق، وأغلب الضعفاء، لم يعودوا كذلك“.

هذه الكلمات فقرة من رواية نشرت كاملة في البداية، بالعدد الأول، من مجلة حوار لصاحبها الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ، ثم نشرت بعد ذلك في كتاب مستقل عن دار العودة في بيروت، في نفس العام، كتبها شاب سوداني مجهول في ذلك التاريخ، من العام 1966، لتنفجر قنبلة من الإبداع الراقي تحمل عنوان ”موسم الهجرة إلى الشمال“، ويتحول كاتبها الطيب صالح إلى علامة فارقة ومؤثرة في المشهد الروائي العربي منذ منتصف القرن الماضي وحتى الآن.

تلك الرواية الساحرة، مازالت تمتلك من الغموض الكثير، ففي أحدث دراسة للناقد الكبير مصطفى بيومي، صدرت منذ أيام عن دار بورصة الكتب للنشر، بعنوان ”معجم شخصيات (موسم الهجرة إلى الشمال)“، يقدم تصورًا جديدًا لطبيعة الصراع الذي طرحه الطيب صالح، بين الشرق والغرب، باعتباره ليس امتدادا لجملة الأعمال السابقة الجادة، التي تنشغل بالهم نفسه مثل ”عصفور من الشرق“ لتوفيق الحكيم، و“قنديل أم هاشم“ ليحيى حقي ”والحي اللاتيني“، لسهيل إدريس حيث ينبع الاختلاف الجوهري بين تلك الاعمال السابق ذكرها، وبين رائعة الطيب صالح ”موسم الهجرة إلى الشمال“، حسبما يقول الناقد الكبير مصطفى بيومي من حقيقتين متداخلتين متشابكتين، لابد من الانتباه إليهما والوعي بخطورة تأثيرهما، تتعلق الحقيقة الأولى بخصوصية الشرق الأسود في رواية الطيب صالح، وهو شرقي عربي أفريقي لا يشبه الشرقين المصري واللبناني.

أما الحقيقة الثانية، فتدور حول شخصية ”مصطفى سعيد“، البطل الرئيسي في الرواية، فهو عبقري حاد الذكاء، يقتحم الغرب في عاصمته الأشهر لندن، كأنه الغازي الذي يثأر وينتقم، مسكوناً بتاريخ موجع من القهر والاستغلال الذي يطول قامته، يتخذ من النساء الانجليزيات قلاعاً وحصوناً يغزوها، حتى يصطدم بامرأة ذات خصوصية تدعى ”جين مورس“، تنتقل به من ساحات الانتصارات المدوية المتتالية إلى هاوية التراجع والدفاع والانكسار، وصولاً الى الهزيمة والقتل والسجن، ثم العودة إلى النبع والجذور، بحثاً عن صفاء الروح واستقرار الجسد.

ثمة أسئلة كثيرة تطرحها الرواية العبقرية، فهي تقر وتعترف بالتسليم بأن الحياة ليست إلا مجموعة من الثنائيات التي تتجاوز الصراع بين الشرق والغرب، حيث تتوقف أمام معاناة الفقراء والبسطاء في زمني الاحتلال والاستقلال، وهيمنة القيم الذكورية التي لاتمنح المرأة حقوقاً تليق بإنسانيتها، فضلاً عن أزمة التحديث المادي الميسور نسبياً، في مواجهة التعثر الذي تتسم به عملية التغيير المعرفي المتعلق بالقيم والعادات الاجتماعية، والقيم الثقافية، التي تتحكم في ايقاع المجتمع الشرقي البطيء.

ويقول الناقد الكبير مصطفى بيومي، أثناء بحثه في نفسية ودوافع شخصيات الرواية وصفاتها وعالمها وحياتها وتأثرها بالشخصيات الأخرى وتأثيرها فيهم، والتي تم ترتيبها أبجدياً في الكتاب: ”إن المسألة ليست فردية تخص بطل الرواية مصطفى سعيد، وحده، وتنتهي بنهايته، كما أنها ليست مرحلية جيلية، يتراجع الإحساس بها مع مرور الزمن، وتعاقب القراء، بل الرواية أشد عمقاً، فمصطفى سعيد، على الصعيد الشخصي، ناجح ومتفوق، تجمعه صداقات وعلاقات وثيقة مع صفوة المجتمع الإنجليزي، ويحظى بوظيفة محاضر للاقتصاد في جامعة لندن، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ينشر كتباً مثيرة للجدل باللغة الإنجليزية، وتتهافت عليه النساء، ويعيش حياة أقرب إلى الرفاهية والرغد، وتنبئ المؤشرات بمستقبل مرموق ينتظره ويصعد به إلى القمة، بشرط أن يقبل الذوبان في نسيج المجتمع الإنجليزي، الأمر إذاً ليس شخصياً والصدام مع الغرب لا ينبع من خيالات ذاتية، تصنع التوتر والضيق والاضطراب.

وتعد رواية ”موسم الهجرة إلى الشمال“ درة أعمال الروائي الكبير الطيب صالح، المولود في العام 1929، فقد تم اختيارها كواحدة من أفضل مائة رواية في القرن العشرين على مستوى الوطن العربي، ونالت استحسانًا وقبولاً عالميًا وحوّلت إلى فيلم سينمائي.

توالت إبداعات الطيب صالح، الذي لقبه النقاد العرب بعبقري الرواية العربية فيما بعد، فقدم روايات تمت ترجمة بعضها إلى الإنجليزية ولغات أخرى مثل ”نخلة على الجدول، و“دومة ود. حامد، مريود، بندر شاه، عرس الزين، منسي، إنسان نادر على طريقته“، كما تم تحويل بعضا منها إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية، لعل أشهرها ”عرس الزين“، للمخرج خالد صديق والتي فازت بمهرجان ”كان“ في السبعينيات.

عاش الروائي الكبير الطيب صالح فترة من حياته الدراسية في الخرطوم، ثم سافر إلى المملكة المتحدة، ليتخصص في الشؤون الدولية والسياسية، ومات فيها العام 2009.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com