غرائب فن الطهي.. رصدها الرحالة والفنانون

غرائب فن الطهي.. رصدها الرحالة والفنانون

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

منذ عدة أيام، توفى صانع الحلوى الفرنسي الشهير ميشال ريشار، في مدينة واشنطن الأمريكية، بعد أن قدم المطبخ الفرنسي إلى الذائقة الأمريكية، وتحول بفضل إبداعاته المتميزة في فنون الطهي إلى أحد رواد هذا الفن الجميل، منذ افتتاحه أول متجر له للحلويات في لوس أنجليس في العام 1977.

وعلى الرغم من أنه لا توجد حتى الآن دراسات أكاديمية توثق وترصد الكتابة عن فن الطهي وعادات وتقاليد الشعوب في تناول الطعام والمصادر التاريخية وراء اختراع أكلات شهيرة وعالمية تتناولها الشعوب في سعادة ومتعة مثل البيتزا الإيطالية والكسكسي المغربي والحلويات الشامية والأطباق الإنجليزية التقليدية، مثل لحم البقر المشوي والرنجة وأنواع الجبنة الفرنسية التي لا تعد ولا تحصى، دون معرفة أصل نشأتها، إلا أن هناك عددًا لا يستهان به من الكتابات الخاصة بالرحالة، والفنانين، وحتى التجار الذين كان عملهم منصبًا على الربح والخسارة، استطاعت الأكلات الساخنة والشهية التي قدمتها لهم الشعوب التي زاروها، أن تحرك في نفوسهم الرغبة في تسجيل هذه اللحظات السعيدة في رحلاتهم، فسجلوا ما تذوقوه ولكن برائحة الحبر والورق.

تعد مخطوطة الرحالة المسلم الشهير، أحمد بن فضلان، من أقدم الكتابات التي تناولت عادات الطعام وسلوكه عند بلاد الترك والبلغار والروس والخزر عبر رسائل بعث بها إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله، الذي أرسله إلى تلك البلاد البعيدة، ليفقههم في الدين الإسلامي، فليس هناك من سبق ”بن فضلان“ إلى هذه البلاد.

ففي رسالة طريفة بعث بها ”بن فضلان“، للخليفة، يذكر فيها عادات الطعام وطريقة تناوله عند ملك الصقالبة واسمه (ألمش بن بلطوار)، والذي استقبله بصحبة إخوته وأولاده، يحملون معهم الخبز واللحم والجاورس (نوع من الحبوب) وعندما أُعدَّت المائدة لهم قدِّمت إليهم وعليها اللحم المشوي وحده، فتضمن طقس الطعام الملكي، أن يبدأ الملك بالطعام، وأن لا يبدأ الآخرون إلا بعد أن يقدم الملك بنفسه قطعة من الطعام لهم ”فلا يمدُّ أحدٌ يده إلى الأكل حتى يناوله الملك لقمة“.

وَلَـمَّا أكلوا دعا (الملك) بشراب العسل وهم يسمونه السجو، فشرب قدحاً نخباً لخليفة بغداد.

ولعل أشهر اللوحات التي تناولت الطعام باللون والإضاءة، كانت لوحة ”العشاء الأخير“ لرائد الكلاسيكية  الفنان الإيطالي الشهير ”ليوناردو دافنشي“، فعندما رسمها آنذاك بناءً على طلب القس دوق ميلانو الذي كان يريد من الفنان أن يجسد تلك الواقعة الهامة تاريخيًا، والتي تمثل المسيح جالسًا على المائدة مع حوارييه الاثني عشر، ليعلن لهم خيانة أحد أتباعه، فجمعهم على مائدة الطعام وأخبرهم بأن أحدهم سيخونه قبيل شروق الشمس، فعكف دافنشي على رسم اللوحة قرابة ”الـ 18 عامًا“ وقد رسمها في غرفة الطعام في دير سانتا مريا بالألوان الزيتية، فتميزت لوحة دافنشي في تصوير الانفعالات الدقيقة المختلفة علي وجه كل شخصية من الحواريين المحيطين بالمسيح، بعد سماعهم ما ألقي عليهم من مفاجأة خيانة أحدهم على مائدة العشاء، حيث ظهرت عليهم ملامح الدهشة والصدمة والغضب.

وتلك اللوحة الشهيرة معروضة بمتحف ”اللوفر ”بباريس، وفي نفس القاعة التي بها لوحة ”دافنشي“،  الآثرة ”الموناليز“.

وبعد سنوات طويلة على وفاة ”دافنشي“، صاحب أشهر لوحة تجسد الطعام كموضوع رئيسي داخل اللوحة، ظهر في القرن التاسع عشر مدرسة فنية فرنسية سميت بالانطباعية فيما بعد، احتفت بكل ماهو مبهج في الحياة وفي مقدمته الطعام فقام أحد مؤسسي تلك المدرسة ويدعى ”إدوارد مانيه“ سنة 1863م، برسم لوحة باسم ”غداء على العشب“، لتفتح الطريق إلى رسم حفلات الغداء والعشاء والموائد والمطاعم والمقاهي في لوحاتهم فناني مدرسة الانطباعيين، ولتسجل حضور لم يسبق له مثيل أيضًا في أيّة مدرسة فنّية أخرى، لا من حيث الكم ولا من حيث العمق.

وهناك كتاب شهير ضخم للباحثة ”جوسلين هاكفورث جونس“، يحتوي على ً مائة صورة بعنوان ”وجبة مع الانطباعيين“.

أما في عصرنا الحديث، فيأتي كتاب ”حول العالم في 200 يوم“ للكاتب الشهير أنيس منصور، والتي صدرت الطبعة الأولى منه عام 1963م بمقدمة لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، رحلة ممتعة وكتابة رشيقة أضاف لها منصور الكثير من التوابل اللفظية، وكأنك طرت معه في بلاد الله وشاهدت خلق الله، وهي تعيش وتعمل، والأهم وهي تأكل.

فيكتب الكاتب الكبير عن الهند، قائلاً: ”في الهند أناس لا يأكلون اللحوم ولا المواد المستخرجة من الحيوانات، فلا يشربون اللبن ولا يأكلون الزبد ولا الجبن ولا يأكلون البيض ولا السمك ولا يذبحون الأبقار، لأن البقرة مقدسة وهي رمز الحياة والخصوبة، وهي حيوان سعيد“.

وتابع: ”الهنود يأكلون أطعمة حريفة..حراقة.. وهم يضعون هذه الشطة أو هذا الفلفل على كل طعام وشراب، بل لاحظت أنهم يضعون ذلك على الحلويات، على السكر مثلًا وعلى الجاتوه الذي يقدمونه مع الشاي، والعلامة المميزة للمطبخ الهندي هو التندوري، وتعني الفرخة الكاملة.. فرخة شكلها غريب مصبوغة باللون الأحمر الفاقع وفيما عدا هذه الفرخة لا يوجد طعام يستحق الذكر في الهند كلها“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com