رواية ”تذكرة وحيدة للقاهرة“.. الوقوع في غواية التاريخ – إرم نيوز‬‎

رواية ”تذكرة وحيدة للقاهرة“.. الوقوع في غواية التاريخ

رواية ”تذكرة وحيدة للقاهرة“.. الوقوع في غواية التاريخ

المصدر: نعمة عزالدين - إرم نيوز

بعنوان ملفت وغلاف يتوسطه صورة بالأبيض والأسود، باهتة، تشعرك أن تاريخها يرجع إلى أربعينيات القرن الماضي، لسفرجية في إحدى جنبات نادي الجزيرة الشهير، في مدينة القاهرة، حينما كان يرتاده الأجانب والطبقة البرجوازية في مصر من الأعيان والبشاوات صدرت عن الدار المصرية اللبنانية، رواية جديدة للقاضي الجليل والروائي الكبير ”أشرف العشماوي“ بعنوان ”تذكرة وحيدة للقاهرة“.

كما في روايته السابقة ”كلاب الراعي“ يتساءل الروائي ”أشرف العشماوي“ عن مصير البشر العاديين إذا حركته صراعات تفوق قدرتهم وأجبرتهم على عيش حيوات تتخطى طموحاتهم البسيطة، من خلال رحلة عجيبة يسافر فيها البطل وحيدًا مطلع الأربعينيات، تبدأ من أقصى الجنوب إلى نادي الجزيرة بقلب القاهرة، ومن حي الزمالك العريق إلى حواري عابدين العتيقة، ثم محطات متتالية بمدن مصرية وبلدان أوروبية، فلا يدري دوماً أين تكون محطته الأخيرة؟.

البطل الروائي ”أشرف العشماوي“ من المهمشين في بر المحروسة فترة الأربعينيات والتي في تصوري لم يكتب عنها بضوء إبداعي كاشف كما في تلك الرواية، هكذا اختار مجال إبداعه الجديد بعناية ليقدّم رواية بطلها حتى و إن كان من فئة مهمشة، فهو يمثل الغالبية، فكلنا مهمشون طالما لا نملك سلطة تحديد المصير و لا القدرة على اتخاذ القرار.

هذه ليست المرة الأولى، التي يقع فيها روائي كبير مثل ”أشرف العشماوي“ في فتنة التاريخ والعودة بابطاله وشخوصه إلى زمن مغاير بطقوسة وعاداته وتقاليده وأجوائه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فقد فعلها من قبل في روايته ”كلاب الراعي“، حيث كانت غواية التاريخ للخمس سنوات التي سبقت حكم ”محمد على“ وقد أجاد في وصف تلك الفترة التي نجح في بناء عالمها بدعائم تاريخية وقدرات تخيلية تضيف إلى بعدها التاريخي وتفوق في رسم الشخصيات وجغرافية الأماكن وبعث الروح في المؤامرات التي كانت تدور آنذاك سواء من فلول المماليك أو قناصل الدول الغربية بمصر أو محمد علي ورجاله أو الوالي التركي وأتباعه ضد المصريين كافة من أقباط ومسلمين، فكأنك تراها ماثلة أمامك بنفس أزياء وتصرفات ذلك الزمن، وقد ساعده فى ذلك استخدام الإيقاع السريع الذي روى به الأحداث، والشخوص التى أجتهد فى جعلها مثيرة للجدل، والجهد البحثي الذى جعله يصف المعارك والحياة فى ذلك العصر بتميز حسبما يرى الروائي الكبير ”مكاوي سعيد“ .

وإذا كان الروائي الكبير ”أشرف العشماوي“، أخذته نداهة التاريخ وسحرها ليلحق في مائتي عام من تاريخ مصر، فهناك من ذهب تاريخياً أبعد من ذلك بكثير، فكتب على سبيل المثال وليس الحصر الروائي الدكتور ”يوسف زيدان“ روايته ”النبطي“ والتي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية.

وتدور أحداث الرواية في العشرين سنة التي سبقت فتح مصر، ويظهر في بعض مشاهدها الفاتح عمرو بن العاص وزوجته ريطة (رائطة) والصحابي حاطب بن أبى بلتعة، إضافة إلى شخصيات خيالية يكشف من خلالها النص الروائي عن طبيعة الحياة والإنسان والاتجاهات الدينية التي كانت سائدةً في المنطقة الممتدة من دلتا النيل إلى شمال الجزيرة العربية، في الوقت الذي ظهر فيه الإسلام وانتشر شرقاً وغرباً.

كذلك رواية ”مجنون الحكم“ للروائي المغربي الكبير، ووزير الثقافة الأسبق ”بن سالم حميش“ التي أدرجت ضمن أهم 105 روايات في القرن العشرين من اتحاد الكتاب العرب بسورية) قالت فيها لجنة التحكيم التي منحتها جائزة الناقد عام 1990: مجهود واضح في استيعاب فترة حكم الحاكم بأمر الله، وإسقاط الحاضر عليه ، والقدرة على الإفادة من التراث السردي الغني- في كتابات مؤرخينا القدامى، وامتلاكها -على الأغلب- ناحية اللغة المتسقة مع مادتها تاريخياً ونفسياً واجتماعياً وهو اتساق يندر أن يحدث في هذا الضرب من الكتابة الروائية التاريخية المحدثة.

هنا يقدم “ حميش “ في تلك الرواية شخصية تاريخية هي الأكثر غموضاً وجدلاً في التاريخ وهي شخصية “ الحاكم بامر الله “ وعصره الذي يعد من أغرب العصور في تاريخ مصر الإسلامية، عصر تطبعه ألوان من الدهشة والتناقض وتقدم لنا الرواية عن هذا العصر الحاكم فى صورة مثيرة.

ولقد حكم مصر لمدة عشر سنوات من 395 هـ حتى 405 هـ واتسم حكمه بنزعاته الدموية واكتنف الغموض نهايته بأن ركب فى ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال سنة 411هـ ( 1021م) قاصدًا جبل المقطم، وأنه لم يعرف بعد ذلك مصيره، حتى أن بعض المؤرخين قالوا إن اخته ست الملك دبرت له مكيده لقتله وخاصة أن الحمار الذي كان يركبه والملابس التى يرتديها وجدت عليها آثار دماء غير أنه لم يُعثر على جثته، وظل الناس زماناً ليس قصيرًا يترقبون عودته وهذا لم يحدث .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com