“القصة” في القرآن الكريم.. نموذج رباني لمعرفة أسرار النفس البشرية

“القصة” في القرآن الكريم.. نموذج رباني لمعرفة أسرار النفس البشرية

المصدر: نعمة عزالدين - إرم نيوز

تعد القصة في القرآن الكريم، إحدى التجليات الربانية، لتعليم البشرية مواضع النفس وقوتها وقدرتها على الابتلاء والصبر عليه، والإيمان الفطري، بقدرة خالق الكون الواحد الأحد، الذي تسع رحمته كل شيء، من خلال ذكر تاريخ الأمم الغابرة، والأقوام الماضية، قبل بعثة الرسول “محمد” عليه الصلاة والسلام، ولقد ظلت الآيات القرآنية الشريفة، التي تتناول قصص الانبياء والصالحين، موضع بحث وتدبر من قبل العلماء والمفكرين المسلمين، وكذلك المستشرقين على مر العصور والأزمنة.

ففي كتابه الهام “منهاج بحث القصة في القرآن الكريم”، يرى الدكتور “السيد محمد باقر الحكيم”، أن القصة القرآنية، اهتمت بتفصيل قصص الرسل الذين هم من أولي العزم مثل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، عليهم جميعاً افضل الصلاة والسلام، لأغراض متعددة، يمكن أن يكون من جملتها: إنّ هؤلاء الأنبياء يمثلون مراحل مختلفة لرسالة السماء، وأنهم مع صلة القربى والوحدة في دعوتهم، نجدهم يشكّلون مواضع فاصلة في تطوّر الدعوة الدينية النازلة من السماء.

ومن دلائل الإعجاز القرآني، التوقف عند الأجواء الثقافية، التي تتعلق بالتاريخ وثقافة الشعوب، وقصص السابقين التي كانت سائدة في فترة نزول القرآن الكريم، والتي سنكتشف مدى التأثير النفسي الرهيب، الذي أحدثه القرآن الكريم، باعتماده المنهج القصصي، سواء بأسلوبه المتميز أو بمواضيعه المختلفة، المتعلقة بالأنبياء.

ويذكر المؤرخون أن العرب كانت تذكر أيامها الأحداث المؤثرة في تاريخهم، عبر قريحة الشعراء، أو بما يسرده القصاصون، عن ما حدث في منطقتهم، والحروب الداخلية، ومواقف لاشخاص، وتأتي عادة ضمن سياق الفخر والاعتزاز بالقبيلة أو ضمن سياق الذم للآخر سواء كانت قبيلة أو شخصُا أو قوماً، وهذه كانت ثقافة ذلك العصر، ويمكن اعتبار دار الندوة وسوق عكاظ، مجالاً لطرح مثل هذه الأمور، لتبادل المعلومات، والآراء حولها.

واذا استعرضنا عدد الآيات التي تتناول قصة في القرآن، سنجد أنها وردت بحجم كبير، وواسع، واكب نزول القرآن الكريم منذ البداية إلى حين انقطاع الوحي تقريباً، وقد ورد في الحديث والنصوص في تعريف القرآن الكريم، أن القصة أخذت مساحة في القرآن الكريم، تمثل سبُعاً منه من حيث المضمون.

وتعد قصة سيدنا “يوسف” عليه السلام، في القرآن الكريم، هي النموذج الرباني، شديد الإعجاز، من حيث السرد بشكل كامل، في آيات مفصلة، تحكي قصة الذي صبر وواجه، وتحدى، وانتصر على أعتى قدرة حاكمة ومنظمة ومقتدرة، ومعروفة في ذلك العصر، بأسلوب الكفاءة والذكاء والحكمة، عندما حول الحكم الفرعوني، إلى التوحيد. 

والهدف القرآني والرسالة التي تحملها قصة “يوسف” هي أكبر من زمن النزول، لتشمل هدف الرسالة القرآنية عبر الزمن، وإن هذا الحجم من الآيات الكريمة، وهذا الجهد القرآني، أراد أن يحفر في ذاكرة الزمن وعبر العصور حقائق، الاستضعاف، والتحمل، والانتصار، بأسلوب قصصي وأدبي رفيع، يمس خصوصيات الإنسان ومشاعره وحياته في موضوع الأبوة، وفي تفاصيل حياته، في فترة المراهقة، والشباب، ومشكلاتها الخفية وغيرها، أو في فترة الرجولة والقدرة وابتلاءاتها، أو فترة الحكم والقدرة، فهي دورة حياة متكاملة ومتشعبة وفصولها مختلفة وأحوالها متعددة بأسلوب قصصي شيق ومثير وجاذب ومؤثر، سواء عبر الأشخاص أو الأحداث، أو الظروف المحيطة، مع إشارات إلى مفاهيم وقيم قرآنية عميقة من التوكل، والتسليم والثقة بالله، والتخطيط الرباني وتدخله في مفاصل الأحداث، عبر قانون التقدير واللطف الرباني، ومفهوم الصناعة الربانية للشخصيات ومدلول هذا اللطف الالهي، مدرسة متكاملة، سواء على صعيد بناء الفرد، أو الجماعة أو الحدث، أو مسيرة الرسالة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع