ما هو الصوت في العمل الأدبي؟

ما هو الصوت في العمل الأدبي؟

يعد الصوت في العمل السردي من أهم الأسس التي يبنى عليها السرد، حيث يعمد الكاتب إلى تمرير صوته الخاص، وكذلك أصوات الشخصيات والأجزاء التي يتكون منها عمله الأدبي، بهدف فتح قنوات تواصل مع حواس القارئ، ومنحه القدرة على الدخول للمساحة الفكرية التي تقوم من أجلها صناعة السرد. 

وصوت الكاتب "Vocem" يأتي في إطار المكالمة والنطق، وهو لفظ مقتبس من اللغة اللاتينية، ويعتبر الموقف الذي يتخذه المؤلف خلال صياغته للعمل السردي، هو صوته، ويشكل أهمية كبيرة في الحوار الداخلي ما بين الكاتب والجمهور. 

ويتشكل صوت الكاتب في عمله عبر تجاربه الذاتية، وتكوينه الذي تشكل بفعل بيئته وأفكاره المشتركة مع مجتمعه، بما في ذلك آرائه النقدية تجاه القوالب الاجتماعية المكرسة، بحيث يمكن اعتبار الصوت الخاص بالكاتب، شخصية من شخصيات الرواية.

وهناك مؤلفون تغيب أصواتهم خلال العمل، أو تكون غائرة ما بين التفاصيل، بحيث تحتاج إلى جهد وتحليل من القارئ للوصول لها، فيما يلجأ البعض لإيضاح هذا الصوت، وتقديمه بشكل مجسم خلال السرد. 

زوربا

وهناك نوع آخر من الصوت، يستخدمه الكاتب خلال بناء هيكله السردي، كأن يلجأ لإبراز صوت الشخصيات، بشكل جلي، كما برز صوت الشخصية عند الكاتب "نيكوس كازانتزاكيس"فكانت شخصية الرجل الأمي الفقير زوربا في الرواية الشهيرة، صوت الطبيعة الإنسانية والجنون والحب للحياة، بعكس الرجل المثقف الغني "باسيل" الذي امتلك صوتا خافتا تجاه الحياة، وبدأ بعد احتكاكه بزوربا بتعلم الحب والجنون والحزن والدهشة مع مجريات الواقع. 

هذا الجدل الذي يلجأ إليه الكاتب في صناعة عمله السردي، هو مزيج من الأصوات، أو من صوتين على الأقل، خلال عمله، يستطيع من خلال ذلك، نقل تجربة نابضة، تثير المتلقي وترفع من وتيرة التأمل والمحاكاة الذاتية لديه. 

الصوت المختلف

ومهمة الكاتب الذكي، القدرة على رسم شخصيات بصوت مختلف، يظهر خلال السرد، لأنه دون ذلك لن يستطيع بناء حبكته، أو تطويرها، فالحبكة مبنية على تمايز الأصوات، وحدة الصراع الحركي أو الذهني بينها. 

ومن الأساليب التي يتبعها المؤلفون في إظهار صوت الشخصية، اللجوء إلى الحوار بين الشخصيات، أو الحوار الذاتي المونولوجي، أو من خلال الوصف السردي للشخصية، وفي كل نمط يكون الكاتب يهدف لنقل صوت الشخصية وترسيخها في ذهن القارئ. 

فما يود الكاتب تعريف الجمهور عليه حول شخصيته، يتم رسمه مع استرسال السرد، عبر صورة بصرية في ذهن القارئ، حيث يظهر شكل الشخصية وصفاتها وسلوكها ومهنتها ودوافعها وطريقة تعاملها مع الواقع أو الخيال، وبناءً على هذا كله، يتم دمج الشخصية داخل الموضوع المراد طرحه فكريا عبر الأدب. 

صياغة اللغة

إن بناء صوت الشخصية يتم عبر أدوات، وحركات ذكية،  يقوم بها الكاتب، فالشخصية الثرثارة، يضع الكاتب لها خلال سرده جملة طويلة، وغير متزنة، ومليئة بتكرار الكلام، مثل شخصية أبو محارب في رواية "العاوون" للكاتب السوري إسلام أبو شكير، التي شخص من خلالها الثرثرة والكلام الجريء والتهكم على الشخصيات الأخرى، بطريقة تظهر خفة الظل، بالرغم من الحزن الدفين داخلها. 

وعلى النقيض إذا استخدم الكاتب شخصية خجولة خلال كادر السرد، فإنه يستخدم أدوات لغوية صياغية تعبر عما يريد إظهاره عن الشخصية، فالجملة تكون قصيرة جدا، مترددة، واحيانًا يلجأ الكاتب لحذف كلمات آخر الجملة، ووضع نقاط بدلاً منها، للتعبير عن خجل شخصيته. 

كما وأظهر ديستوفيسكي بطريقة أخرى، خجل الشخصية المستهدفة عبر وصف حركاتها، ففي رواية "الجريمة والعقاب" استخدم عبر شخصية "راسكولنيكوف" انكماش الجسد وتحدب الظهر عند التقاء العامة والحديث معهم، كتوصيف لغوي حركي يدلل على خجل شخصيته. 

الصوت سر من أسرار الحبكة

وهنالك بعض المؤلفين يعمد إلى إخفاء جزء من صوت شخصيته الرئيسة، بحيث يحافظ على قسط من التشويق والغموض حولها، حتى نهاية العمل، بحيث يعتبر صوت الشخصية هنا من أحد أسرار الحبكة، ويعتمد على اللاتوقع، وهذا النمط يتطلب حنكة كبيرة من الكاتب، بحيث إن تمسك بأدوات التشويق، فعليه الالتفات لتفاصيل الشخصية، التي أن صارت مبهمة، فقد تدفع القارئ لعدم إكمال العمل. 

وبقيت الشخصيات التي قدمتها الكاتبة اللبنانية هدى بركات في رواية "بريد الليل" جميعها غرائبية، غير واضحة الصوت، حتى قرب انتهاء الحبكة، وكان أبرزها شخصية "البوسطجي" التي طالها الغموض والتعتيم من الكاتبة كنوع من التعليق والمراوغة للقارئ. 

على الحافة

وهنالك أسلوب آخر يتبعه المؤلفون في طريقة بناء صوت الشخصية، حيث يلجأ الكاتب إلى وضع الشخصية في موقف على الحافة، ويحدد فيما بعد مصير الشخصية، بحيث يتم تعرية الغامض في هذه الشخصية من خلال هذا الموقف المتأجج.

وهذا يأتي في صلب الحبكة الروائية أو قمة القوس في القصة، ومن خلاله يتم اكتشاف الصوت الأقصى للشخصية، كما فعل الإيطالي "أليساندرو باركيو" من خلال شخصية 1900، في رواية "مونولوج 1900"، حيث عزل الشخصية عن البر وأنشأها في الماء، فكان حينما يتواجد في موقف شديد الحرارة لا يتأثر، ويستمر في عزف الموسيقى،  كما حدث في آخر الرواية، جلس على صندوق ضخم من الديناميت المتفجر، في عمق الحرب، وبقي يعزف الموسيقى بكل برود، فهنا يكشف عن عمق شخصية 1900، بطريقة مدهشة، حيث لم يتأثر طين جسده ببيئة البر على المطلق، فكان باردا كبرودة الماء في عمق الحرب. 

الأصوات والروائح

وبعض الروائيين يستخدم الأصوات والروائح من حول شخصياته، ويظهر أثر ذلك في النص، وهنا تعتبر هذه الأصوات شخصية مساهمة في صنع الحبكة وتطويرها. 

وقد استخدمت الكاتبة الكويتية بثينة العيسى هذا الأسلوب، مخلّقة مشاهد بصرية ملهمة للعقل، والحواس، خلال سردها لرحلة البحث عن الطفل المختطف، في مناطق مختلفة من رواية "خرائط التيه"، فتحولت هذه الأصوات بطريقة ذكية، لجزء من حبكة العمل. 

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com