”ويبقى سرًا“ للمجالي.. رسائل وميضية الالتماع ممتدة الأثر

”ويبقى سرًا“ للمجالي.. رسائل وميضية الالتماع ممتدة الأثر

المصدر: محمد خضر- إرم نيوز

في مجموعة ”ويبقى سراً“ الصادرة قبل أيام للقاص خالد سامح عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، في مائة صفحة وصفحتين من القطع المتوسط، فنحن أمام كتابين وليس كتاباً واحداً؛ الكتاب الأول هو مجموع القصص القصيرة والقصيرة جداً والبرقيات الواردة في القسم الأول من المجموعة القصصية الثالثة لسامح، أما الكتاب الثاني فهو الحواريات الوجدانية، والتقاطعات النفسية، والبناءات الدلالية التي أقامها الكاتب بينه وبين رموز إبداعية حديثة وقديمة تحت عنوان ”عودة الغرباء“.

كتابان وتجربتان، اختزلهما خالد سامح صاحب ”نافذة للهروب“ (2008) بين طيات كتاب واحد بحدته المعهودة وضراوة قلمه التي لا تهادن ولا تجامل، مسمية الأشياء بمسمياتها، دون أن ينسى التأكيد على إنسانية تجربته وتقاطعها القيمي والأخلاقي مع تجارب إخوته ورفاقه في القرية الكونية الصغيرة، فها هو يطل من نافذة المعنى المشترك مقتبساً من نصوص بوريس باسترناك صاحب ”الدكتور جيفاغو“ وكاشف عورات البلشفية السوفيتية في أعتى أزمانها، نصاً بليغاً له، جاعلاً منه ما يشبه المقدمة والإهداء والمدخل والاستهلال ”من يفتح النافذة كمن يفتح أوردته“.

الحدة والوضوح المستندتان لليومي.. المعيش.. المنحاز للهامشي.. المنسي.. سمات تشترك فيها معظم قصص الجزء الأول من الكتاب، ففي ”وجه“، على سبيل المثال، يستهل سامح المجموعة برسم صورة تجريدية يتماهى خلالها مع طفل القصة الأنيق ”على الرصيف المقابل طفل أنيق ينتظر موتاً عابراً، قطعت الشارع واقتربت منه أكثر وأكثر.. تملكتني الدهشة.. هو ذات الوجه الذي رأيته في مرآتي قبل قليل“.

الخواء، الرقص في العتمة، الرسم الكاريكاتوري للواقع المعيش، تعرية الهوس المرضي بالذات ونعي النرجسية، اختبار ملكوت الحقيقة بأكثر قدرات الاختزال دهشة ”تمنى طول حياته ميتة (مثالية)، عندما أتته أخيراً، مات مذعوراً“. معاينة النفاق الاجتماعي، سوريالية الواقع وكابوسيته وربما وحشيته، قراءة عناوين الهروب، سرد نوستولوجيا الحنين، وغير ذلك، هو غيض من فيض ما تحتويه القصص على اختلاف أحجامها ومساحات حضورها كرسائل وميضية الالتماع ممتدة الأثر.

سامح صاحب ”نهايات مقترحة“ (2011) يتجلى في كثير من قصص الجزء الأول كصاحب عين محدقة في تفاصيل الواقع من حوله، بعين ثالثة غاضبة حانقة، وهو لا يتردد بإيصال غضبه هذا وإدانته تلك للسائد والراكد، كاملاً غير منقوص: ”لم تسرق كل ما هو ثمين في منزله المترف، تلك الليلة تركت له المومس كل شهاداته معلقة على ظلمة الجدار… جميعها كانت بمرتبة الشرف“.. بهذه اللغة غير المسكونة بالشعرية ينشئ الكاتب منظومته السردية المشكلة فيما بينها تناغماً مشتركاً تنضوي تحته قصص الجزء الأول، قبل أن تصعد تلك اللغة نحو معارج الشعرية التأملية في حواريات الجزء الثاني، التي يؤسسها صاحبها مسكوناً بحالة إعجاب مندفع نحو أبطالها.. أو أبطاله.. الذين يحاكم التاريخ والواقع (الزمان والمكان) من خلالهم، ومن خلال إضاءة قبس من مشاعلهم.

بوحدة موضوعية تحافظ على إيقاعٍ منتظم دقيق، يتنقل الكاتب من العبثية المفرطة إلى الرومانسية الوديعة، إلى التأبينية المخذولة، ماراً على المرايا، التي شكّلت ضيفاً متبدل الدلالات في غير قصة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com