سحر الشرق بعيون جينيه وغوته وهوجو

سحر الشرق بعيون جينيه وغوته وهوجو

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

يعد الكاتب الفرنسي جان جينيه، المولود عام  1910، والذي  تحتفل الأوساط الثقافية الفرنسية هذه الأيام بذكرى مرور 30 عامًا على رحيله، أحد الأسماء البارزة في قائمة حب وولع شديد بالشرق العربي والكتابة عنه، كمصدر إلهام لأعمال أدبية كتبها أدباء وشعراء غربيون من مختلف أنحاء أوروبا وأمريكا، في محاولة لقراءة الشرق بكل سحره وتجلياته.

جينيه أحب الشرق الأوسط، واتخذ فيه علاقات امتدت إلى الأدباء والسياسيين لمناصرته للقضية الجزائرية والقضية الفلسطينية وحبه للمغرب التي أوصى أن يدفن فيها، وهو ما حدث بالفعل، حيث نقل جثمانه من باريس إلى مدينة ”لاراش“ المغربية.

ولاقى الكاتب الفرنسي المبدع، احتفاءً في حياته وبعد مماته، فالمغاربة والجزائريون يقيمون له المعارض، والفلسطينيون يقدرونه ويحترمونه، خاصة بعد موقفه من مذبحة صبرا وشاتيلا وما كتبه عنها.

فقد كان جان جينيه، مصابًا بسرطان في الحنجرة، ‌وكان يعاني هجرة الكتابة، عندما وجد نفسه فجأة في بيروت، بل في المخيّم، فهو الذي عاش سنوات مع الفلسطينيين بدءًا من العام 1970 في مخيمات جرش وإربد في الأردن، وأعجب ببسالة الفدائيين وكتب عنهم،‌ إذ لم يصدق ما شاهده في صبرا وشاتيلا.

وكتب جينيه قائلًا: ”إنه نوع من حكاية صغيرة كتبتها، حكاية لم أكتبها انطلاقًا من أفكاري، حكاية كتبتها بكلمات هي كلماتي ولكن لأحكي عن حقيقة ليست حقيقتي“.

ولعل هذا النص أعاده إلى عالم الكتابة، ‌بعد أن انقطع عنها سنوات، وأعقبه كتابه الشهير ”أسير عاشق“، الذي كان آخر كتاب له قبل رحيله عام 1986 عن الأسرى الفلسطينيين والأفارقة والأمريكيين.

الكاتب الألماني غوته عاشق ”العربية“

”ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية“، بهذه الكلمات يصف الشاعر الألماني الكبير ”غوته“، اللغة العربية، فقد أدخل مفردات فارسية وعربية على قصائده، كاستخدامه لمفردة ”ديوان“، أو مفردة ”هدهد“، بالإضافة إلى الاستعارات الشعرية العربية غير الموجودة في التعبير الألماني كتعبير ”وجهها كالقمر“.

أما تأثره بالقرآن، فيظهر جلياً في هذه القصيدة ”لله المشرق، ولله المغرب، والشمال والجنوب يستقران في سلام يديه“، وهي محاكاة واضحة لقوله تعالى في سورة البقرة ”ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله“.

حيث تأثر شاعر ألمانيا الأشهر ”غوته“ (1749-1832)، بنظرة تتميز بالانفتاح على الثقافة العربية والإسلامية، ويبقى ”الديوان الشرقي الغربي“ عمله الأهم الحامل للمسة إسلامية عربية وفارسية أيضًا.

ومن جانبها، تقول الباحثة الألمانية الأمريكية كاترينا مومزن، التي أهدت حياتها العلمية والأكاديمية الممتدة على مدار عقود إلى أعمال غوته، وعلاقتها بالثقافة العربية والإسلامية، في كتابها ”غوته والعالم العربي“: ”غوته ما كان ليصل لما هو عليه لولا إطلاعه على الثقافة العربية والإسلامية“.

كما تثبت الباحثة الألمانية إطلاعه الواسع على القرآن الكريم، وحكايات ألف ليلة وليلة، والمعلقات الشعرية العربية، والشعر الفارسي المتمثل في شعر حافظ الشيرازي، وغيرها من روافد الثقافة العربية والإسلامية.

أما الكاتب الأمريكي واشنطن إرفنج، (1783 ـ 1859)، الذي كتب عن الحضارة العربية الإسلامية في الآندلس، إضافة إلى كتابه المهم ”حياة محمد“.

فعندما عين في القنصلية الأمريكية في إسبانيا سنة 1826، حيث انفتح أمامه التراث العربي الإسلامي في الأندلس، ومن شدة إعجابه بهذا التراث فإنه ألف العديد من الكتب بهذا الخصوص مثل: ”قصر الحمراء“ و“غزو غرناطة“ و“فتح الأندلس“، وقد قادته الكتابة عن تاريخ الأندلس إلى تأليف كتابه الكبير ”حياة محمد“، حيث اقترب كثيرًا من الحقيقة في شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الإنسانية والهداية للعالم أجمع.

فيكتور هوجو والهروب من الأحزان بالأدب العربي

في المحن الإنسانية الكبرى، تتجلى روح المبدع الحقيقي، وهو ما حدث بالفعل للكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هوجو، المولود عام 1802، والذي كان لوفاة ابنته أثرًٌ كبيرًٌ في تغيّر نظرته للعالم والبحث عن ملاذ نفسي آمن، يجعله يتحمل ألم الفراق عن ابنته الحبيبة، فوجد ضالته في الأدب العربي بل في الشخصية العربية، لما تتعرض له من أزمات نفسية، إلا أن هذه الشخصية تبقى صلبة دون أن تتأثر بما حولها، فاكتشف سر هذه الصلابة، وتلك الروح المتفائلة.

فصاحب روايات ”أحدب نوتردام“ و“البوساء“ و“عمال البحر“،  اتجه بكل وجدانه وجوارحه إلى دراسته ومعرفة الأداب الشرقية والأدب العربي عامة والدين الإسلامي خاصة.

وقرأ فكتور هيجو القرأن الكريم المترجم إلى الفرنسية، كذلك قصص ألف ليلة وليلة، ودرس تاريخ الإسلام وحياة الرسول محمد (ص)، وتأثر جدًا بهذه الشخصية الكريمة، وحفظ العديد من الأحاديث النبوية، حتى أصدر ديوانًا خاصًا سماه ”الشرقيات“، و“أسطورة القرون“، كتب فيه أروع القصائد التي مدحت شخصية الرسول، وعبر عن أرائه بالحرية الحقيقية والنضال الرائع، والتقدم نحو الأمام بفضل الأفكار الإسلامية.

ويقول هيجو عن الرسول (ص): ”كانت له جبهة شماء ووجنة نبيلة، حاجب خفيف، وعينان عميقتان دوارتان، وعنق شبيه بعنق أنية من فضة وفم كأنما هو دائمًا في صلاه وكان يخدم نفسه بنفسه، ويرعى أغنامه ويخيط ثوبه بيده“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com