كتب

الشمس.. من الدفء إلى الحرق
تاريخ النشر: 07 مايو 2016 14:22 GMT
تاريخ التحديث: 09 مايو 2016 17:39 GMT

الشمس.. من الدفء إلى الحرق

في العصور القديمة كانت الصلات التي نسجها البشر مع الأرض مطبوعة بالحكمة والحب لكن هذه الصلات سرعان ما تلاشت بسبب الاهتمام المفرط بالعقلانية (هيمنة العقل) التي أدّت تدريجيًا إلى انحطاط الحياة على الأرض.

+A -A
المصدر: مدني قصري - إرم نيوز

يقول سيرج فيتز Ser Fitz الباحث في الروح الإنسانية، والطبيب النفساني، والأخصائي في مجال ”الجيوبيوتيرابي“ Géobiothérapie (أي المعالجة القائمة على العلاقة بين الإنسان والمكان) إن الطقوس المهداة إلى الأرض كثيرًا ما اعتبرها العقل، مع الأسف، ”وثنية“.

ويضيف أن عبادة العقل أنستْ الإنسانَ الخلق، كما لو أن الخالق بعد أن خلق الكون كفّ عن الخلق! فالشعراء والفنانون فقط هم الذين ظلوا يحتفظون بسر ”الوجود الإلهي“ على وجه الأرض. فهم لا يزالون يُغنّون جمال الأشجار والزهور والطيور، والحياة البرية والبحيرات التائهة بين الجبال.

الشمس لم تعد ”تُدفّئ“

حسبنا، يقول فيتز، أن ننظر إلى الأرض من خلال عيون الروح، لنلاحظ أن الأرض تتألم وبشدة. في هذا الشأن سيقول العقلانيون (المفرطون في الإيمان بالإله العقل) أن الكوارث كانت تحدث دائما، وسوف يستمر حدوثها، وأن ما يحدث اليوم هو سُنة من سنن الحياة. هذا صحيح، ولكن النظام الطبيعي قد تزعزع كثيرا، وهو ما يشعر به كل واحد منا: فالشمس لم تعد ”تُدفّئ“ كما كانت من قبل، بل صارت ”تحْرق“.

الأرض تدافع عن نفسها

ويتابع أن هناك في الكون ما يسمى بقانون السبب والنتيجة. ”إن ما حدث مؤخرًا من كوارث طبيعية في قارة آسيا بليغ جدا. فمن القراءة الرمزية نستنتج أن الأرض صارت تدافع عن نفسها: فالمحيط بدأ يدفع البشر إلى داخل الأراضي، والأمطار الغزيرة والعواصف بدأت تطرد التلوث. فالأرض بدأت تتنفس وتتطهر! وهذه القراءة ليست قراءة عادية، وقد تثير الاستغراب، ولكنْ، أليس من المُلحّ اليوم أن نتعلم قراءة الأحداث بشكل مختلف؟

 

عيون الروح

ويرى سيرج فيتز أن للكوارث الطبيعية أسبابًا تقع ضمن نطاق مسؤولياتنا المباشرة، إلا أننا لا نعي وجودها، لأننا لم نعد ننظر إلى الحياة وأسرار الطبيعة بعيون الروح وإنما بعيون ”العقلانية“ وحدها.

ويؤكد أن هذا الانتماء إلى الأرض يخلق صلات وعلاقات لا شك فيها. فإذا كانت الأرض تتألم اليوم، فالإنسان يتألم معها لا محالة! وإذا تألمت الحيوانات يتألم معها الإنسان أيضا. وإذا تألمت الغابة تألم المرء كذلك. وإذا تألم المحيط تألم الإنسان، لأن المحيط هو الذي أنجبه، والنبات هو الذي أطعمه، ولأن الحيوان هو الذي رافقه في أشغاله الأكثر عناء وقسوة.

 

الضياع المُميت

إذا كان علم  البيئة في أيامنا هذه، ومن خلال حركة ”الخضر“ وغرين بيس“ Green Peace يسعى لإحداث توازن ضد انحراف العالم الصناعي بما جاء به من ملوثات مدمرة فإن أفكار هؤلاء المدافعين عن البيئة لم تتمكن من ملامسة قلوب غالبية البشر.

فالتلوث والنهب اللذان طالا باطن الأرض متواصلان، من دون أن يعلو في الرأي العام صوتٌ يقول بوضوح: كفَى، توقفوا! إن الكارثة التي أعلن عنها العلماء المُستنيرون لا تكمن في الاحتباس الحراري بقدر ما تكمن في فقدان وعي الأفراد المنتمين إلى الأرض.

 

قداسة الجغرافيا

يرى فيتز أن أولئك الذين يهتمون بالبيولوجيا يعرفون أن الأرض أشبه بكائن. فالجغرافيا المقدسة توضح لنا كيف تتواصل مختلف النقاط الأرضية العليا بعضها بالبعض الآخر. ”كل هذا لنقول إن الأرض ليست مجرد كومة من الصخور المنصهرة، أو الباردة، بل هي كائن حي يمتلك هالتَه وبنيتَه. فمنها تستمد الأماكن حيويتها.

قطبية

فلكي نفهم في يُسرٍ حقيقة الأمر يمكن القول إن العالم الأرضي يتصرف مثل البطارية الكهربائية التي يكون فيها القطب ”الموجب“ هو سمَاءُ القطب ”السالب“، أي الأرض. علماءُ الجيوبيولوجيا géobiologie (الجيوبيولوجيا علم حديث جدا نشأ عند نهاية القرن العشرين) يتحدثون في هذا الشأن عن ”التوازن الكوني الأرضي.

تداعيات خطيرة

فهذه الاختلافات في القطبية تؤدي إلى نشوء تبادلات مستمرة في الطاقة التي تغذي الكائن الحي. فعندما تختل هذه التوازنات يصبح المكان الذي نعيش فيه، مُسببا للأمراض بسبب نقص الطاقة فيه. وهذا النقص مرده أساسا إلى طبيعة طرق البناء، كاستعمال الخرسانة المسلحة، (الباطون)، ولِوجود أنشطة صناعية تشوّه طبيعة العلاقات الكونية الأرضية، كما هو الحال على سبيل المثال مع أجهزة الإرسال التلفونية اللاسلكية (الموبايلات) والرادارات.

ولذلك هناك انعكاسات وتداعيات خطيرة على الصحة تبدأ في الظهور بعد سنوات قليلة. فكل شيء متفاعل بعضه مع البعض الآخر.

وسادات

ولو نظرنا، حسب فيتز، إلى ما يحدث في الطبيعة بعقلانية أكثر فكيف لا نرى أن العواصف المدمرة ناتجة عن سياسة إزالة الغابات المفرطة، وأن الشعاب المرجانية التي تضررت بسبب التلوث لم تعد تكبح الموجات، وأن الأرض تتراجع في أماكن كثيرة، وأخيرًا أن مستوى البحر.

أما فيما يتصل بالزلازل الأرضية أو الهزات التي تحدث في البحر فلا بد من أن نعرف أن ضخ طبقات النفط الجوفية يلغي (أي يقضي) تدريجيا ”الوسادات“ (مفردها وسادة أي المخدة) المُخففة للضغط، والكابحة للزلازل الأرضية.

يعني ذلك في رأي فيتز أن كل شيء يحدث كما لو أننا نفرغ تدريجيا إطارات السيارة أثناء سيرها. وأخيرًا فإن الفيضانات سببُها أنه ما من شيء يستطيع أن يوقف تدفق مياه الأمطار. ففي كثير من المناطق كان إلغاء السياجات المكوَّنة من الشجيرات (وهي فضاءات حقيقية لتعشيش الطيور الطبيعية) والخنادق على طول الطرق، واحدا من الأسباب المؤدية إلى الفيضانات.

ومن ناحية أخرى فإن أساليب الزراعة المكثفة، القائمة على الأسمدة الكيماوية، تساهم في غسل الأراضي بسبب عدم وجود الأسمدة الطبيعية كالدبال، مثلا. وأما النتيجة فهي ارتفاع مستوى المجاري النهرية، وهو ما يسبب في فترات الأمطار الغزيرة كوارث نُسميها ”كوارث طبيعية“.

لحوم وسموم

في جوهر الأشياء خُلق الإنسان ليأكل ”ثمار الأرض“، وهذا بكل معاني الكلمة، فوفقا لإحصائيات النباتيّين الأكثر صحة وجدية تأكد أن هؤلاء النباتيين أكثر صحة من أكلة اللحوم، فالغذاء النباتي يخفف من وطأة الجسم ويزيد من مستوى الوعي. معاناة الحيوانات تُسجَّل في لحومها وتُنتج السموم التي تُلوث أجسام أكلة اللحوم

ذاكرة السوائل

ويشير فيتز إلى التجارب حول ذاكرة المياه التي أجراها الباحث الشهير جاك بنفينيست Jacques Benveniste والباحث اليابيني الدكتور ماسارو إيموتو Masaru Emoto. فهذه التجارب تبيّن أن كل عنصر سائل يُشحَن بالطاقات التي يتلقاها.

ويعني ذلك أن دم الحيوانات التي يُساء ذبحها (أي التي لا تذبح بطريقة سليمة ورحيمة) ستنقل إلى مستهلكها طاقات المعاناة والآلام التي تتلقاها، ومن ثم هناك من يقول أو يؤكد أن الأمراض تأتي من هذه الجرعة القاتلة المخزَّنة في منتجات اللحوم التي يساء استعمالها.

الفص الأيسر والفص الأيمن

ويخلص فيتز إلى القول بأن التفكيرُ التحليلي جعل من الإنسان حكيمًا أعمَى لم يعد يرى المجموع والمجاميع، إن تطور مواهب الفصّ الأيمن من الدماغ، من  خلال الممارسة اليومية للتفكير القياسي (النظم الإيكولوجية)، والرسم، والصورة والفن قادرة على ملء هذه الثغرات.

لأن العقل لا يشتغل في الوقت الحالي إلا بعين واحدة، وهو الفص الأيسر، ومن هنا ظل الإنسان أعرج. وتلك حقيقة يجب أن نعيها ونهتم بها!

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك