ثقافة

الروائي عبدالقادر الشاوي: كتاب "التيهاء تجربة حياة إنسانية في علاقة بالكتابة
تاريخ النشر: 19 سبتمبر 2022 17:07 GMT
تاريخ التحديث: 19 سبتمبر 2022 18:15 GMT

الروائي عبدالقادر الشاوي: كتاب "التيهاء تجربة حياة إنسانية في علاقة بالكتابة

تعكس الذاكرة في كتب ونصوص الروائي المغربي عبدالقادر الشاوي تجارب ومواقف وتصورات راكمها طيلة مسيرته الثقافية والسياسية، لتكون عملية الاستذكار هذه بمثابة مساءلة

+A -A
المصدر: آمنة جبران – إرم نيوز

تعكس الذاكرة في كتب ونصوص الروائي المغربي عبدالقادر الشاوي تجارب ومواقف وتصورات راكمها طيلة مسيرته الثقافية والسياسية، لتكون عملية الاستذكار هذه بمثابة مساءلة لذاته وللآخرين.

وتحدث الشاوي في حواره مع ”إرم نيوز“ عن رحلته الأدبية الثرية، التي قطعها ذهابا وإيابا بين الماضي والحاضر عبر اعتماده التخييل الذاتي، أملا في استخلاص التجارب وتشكيل واقع جديد.

كتاب ”التيهاء” وهو آخر إصداراتك، وصفته في المقدمة بأنه ”حكاية عن نفسك”: هل اعتمدت التخييل الذاتي لمواساة ذاتك وجيلك عبر سرد سيرتك الذاتية؟

بل هو ما قبل الأخير، فقد أصدرت بعده عن نفس دار (الفنك) قبل شهر من الآن: مديح التعازي.. الذي يقارب فكرة الموت من الزاويتين الفلسفية والذاتية..

وهو أيضا وَضَعْتُه في قالب (التخييل الذاتي) لأنني جمعتُ فيه كثيرا من الصور والتصورات ذات الارتباط المخصوص بشخصية متخيلة تعود مِنْ قَبْرِها لتسرد مختلف المشاهد التي تهيأت لها يوم الدفن وبعد الوفاة على مستوى الأحداث والعلاقات والمواقف ذات الطبيعة الإيديولوجية أو السياسية.

وفي هذا الكتاب التخييلي تأملات ترتبط بكوفيد-19 وبما ترتب عنها، على المستوى الذاتي، من أوضاع أغلبها تميزت بالألم واقترنت بالخوف من الموت.. إلى جانب أوضاع أخرى.

أما عن (التيهاء) فهو، في حقيقة ما هو عليه، تخييل ذاتي، لأنني أدمجت فيه واندمجت في أجوائه كثيرا من التصورات والأوضاع التي مرت بها تجربتي في الحياة، خصوصا على مستوى العلاقات..

لذلك أعتبره، من هذه الزاوية، نصا أدبيا يضم مجموعة من السرود المتعلقة بذكريات معيَّنة في علاقة بثلاثة سياقات ومسارات، العلاقات الإنسانية صداقات ومعارف، المجال الثقافي ممارسات ومواقف، والقيم ذات الطبيعة الذاتية النرجسية والتباهي.

من هذه الزاوية فهو، كما ورد في السؤال، (حكاية عن الذات) جاءت على نفس النهج الذي سِرْتُ عليه من قبل في (دليل العنفوان، الفنك 1989، ودليل المدى، الفنك 2003)، أي الاسترجاع (استرجاع الذكريات كعملية ذهنية من الذهاب والإياب بين الماضي والحاضر) وإعادة البناء (أي تكوين تلك الذكريات من جديد في قالب لغوي وتركيبي ونحوي يضفي عليها أوضاعا وأزمنة جديدة، بل وقد تفتح في وجه القارئ عوالم متوهمة تغري بالقراءة) والتقويض (أي التشكيك الدائم في صدقية ما نرويه للقارئ لأنه لا يتعلق بالواقع بل بالذات، ومن طبيعة الذات أنها تُذَوِّت التعبير وتجعله مرتهنا لعواطفنا وتصوراتنا الخاصة إلخ).

هل أردت من خلال ”التيهاء“ إعادة تشكيل واقع جديد حسب ما تخيلته وتذكرته خلال ما عرف بفترة ”سنوات الجمر والرصاص”؟

ربما تصورت أن بإمكاني، بطريقة لغوية مُحَمَّلَة بالتراكيب المُوحية، أن أجعل منه (كتاب التيهاء) نوعا من الاستقصاء لجملة من الذكريات تَمْتَّدُّ على امتداد أزيد من خمسين سنة في علاقة بالزمن (مرحلة طويلة وَمُرْبِكَة) والمرحلة (ما بين 1958 و2018) والأشخاص (أصدقاء، معارف، مثقفين، أجانب..) في عملية من الاستذكار الذهني، ذهابا وإيابا، بين الذاكرة والكتابة.

لذلك كانت مادته، كما قلت، على ارتباط بالعلاقات الإنسانية وبطبيعة النظم الأخلاقية التي تتحكم في الأفراد وتوجه سلوكاتهم في مجالات كالثقافة والسياسة، كما تفرض عليهم أفعالا وردود أفعال معينة ومختلفة، هذا فضلا عن الكيفية التي يتصورون بها أوضاعهم وحالاتهم النفسية والعقلية في العمل أو في الحب أو في الصداقة أو في المجايلة أو في المنافسة.

إنه تجربة حياة إنسانية في علاقة بالكتابة (لأنها هي التي تؤلف تلك التجربة) وبالمجال الاجتماعي (بحكم انتساب كثير من العلاقات المذكورة في الكتاب إلى هذا الحقل).

تقول في مقدمة الكتاب هو ”مراجعة لخلفيات الكتابة عن الماضي على وجه العموم“.. لماذا التركيز على الذاكرة في كتابتك؟

لأن الذاكرة، في الشروط العادية (الصحة والمُعَافَاة)، هي ”الحافظة الكبرى“ في الدماغ التي ترسم هوية الكائن وتبني له، بحكم ما تختزنه من ذكريات تتعلق بالمسار الفردي أو الجماعي، نوعا من المستقبل المرتبط بما يستخلصه من ذاكرته (بحكم الدروس التي تختزنها) من أفكار أو مواقف أو توجهات، والفرد لا يكون إلا بذاكرته، وكذلك الكاتب لأنها بالنسبة لهذا (الكاتب) هي مصدر كتابته ونواة نصوصه.

ويمكن أن أضيف إلى هذا أن الذاكرة هي المعرفة، ويكفي أن نتصور شخصا بدون ذاكرة لكي نُقَّدِّرَ الطبيعة الخاصة للمعرفة المستوحاة من الذاكرة.

وبطبيعة الحال، فإن الذاكرة هي القدرة على تحويل النسيان، الذي هو آفة من آفاتها، إلى اختبار حقيقي لرغبة الفرد في التذكر أو الاستعادة (كما هو الحال في السيرة الذاتية) من خلال بناء الماضي واعتماد الصور الساكنة فيه بحكم ما عاشه الفرد وتطور فيه ضمن المحيط الاجتماعي الذي احتواه بجميع ما كان فيه من أوضاع وتجارب.

وفي تجربتي الخاصة، فإن تركيزي على الذاكرة يكون عادة، في مختلف النصوص التي كتبتها، لاختبار قدرتي الشعورية على الاستذكار بجميع التفاصيل الممكنة أو بدونها..

وأرى أن هذه القدرة تتضمن، أولا، الأمر النافذ الشعوري (واللاشعوري) الذي يُعطى للذهن بالعودة إلى وَاقِعَة ما، ثم ثانيا، الوعي بأن لك ذكريات تود استذكارها، بصرف النظر عما قد يَعْتَوِر هذه العملية في بعض الأحيان من حِران أو نسيان مؤقت، ثم، أخيرا، الرغبة الذاتية التي تحمل عادة على الاستذكار بمناسبة معينة أو فقط بسبب رغبة شخصية.

غير أن الأمر بعد هذا هو أن الذاكرة لا تستجيب فقط للإرادة أو للرغبة الشخصية في علاقة بموضوع أو حاجة أو منبه ما، بل هي بالأساس القدرة الفيزيولوجية المرتبطة بالصحة العقلية (لا بالمرض العقلي) التي تمكننا من الإدراك الفعلي لكل ما تختزنه حافظتنا. ويرتبط هذا في تجربتي الخاصة بالثقافة وبالكتابة، إذ بهما تتحول الذاكرة إلى نصوص وتجارب ومواقف وتصورات.

ابتعدت عن الشعر رغم أن أول تجاربك كانت شعرية بالأساس؟

بالفعل كانت بدايتي، وربما كمختلف البدايات التي تكون للمبتدئين عادة، بالشعر، بحيث نشرت بعضه، وهو قليل، قبل أن أتحول إلى النقد الأدبي في بداية السبعينيات من القرن الماضي.

ولعلي أدركتُ، منذ البداية، أنني لن أفلح في كتابة الشعر بالمقارنة مع فئة من المحاولين الذين جايلتهم في ذلك الإبان، وكانوا أكثر مني دراية بصناعة الشعر وقدرة على كتابته، ولو أن تلك الكتابة كانت ابتدائية ارتبطت في المجمل بفترة الشباب.

بل وأضيف إلى هذا أنني رغم اشتغالي بالنقد الأدبي، لفترة من الزمن، لم أواصل طريقَهُ فانصرفتُ إلى كتابة المقالة الفكرية ومنها إلى التأليف الأدبي والفكري في ارتباط بانتقالي إلى مجالات أدبية وفكرية مختلفة وجديدة..

وانتهيتُ، في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، إلى الاهتمام بالسيرة الذاتية كجنس أدبي (مَغْبُون) من الناحيتين النظرية والشعرية، وهذا مع اعترافي بأنني لم أنقطع عن كتابة الشعر رغم أنني لم أنشر منه شيئا في العقود الثلاثة الماضية.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك