ثقافة

مجموعة "مسائل" للسودانية آن الصافي.. أحوال الإنسان الاجتماعية في عصر التكنولوجيا
تاريخ النشر: 08 سبتمبر 2022 12:08 GMT
تاريخ التحديث: 08 سبتمبر 2022 13:20 GMT

مجموعة "مسائل" للسودانية آن الصافي.. أحوال الإنسان الاجتماعية في عصر التكنولوجيا

تصنع القاصة السودانية آن الصافي حراكا فكريا حول المشاهد اليومية للإنسان، وتأثر شخصيته بالحدث الواقعي، متناولة القناعات الذاتية وتغيرها ما بين الماضي والحاضر،

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تصنع القاصة السودانية آن الصافي حراكا فكريا حول المشاهد اليومية للإنسان، وتأثر شخصيته بالحدث الواقعي، متناولة القناعات الذاتية وتغيرها ما بين الماضي والحاضر، عبر مجموعتها القصصية ”المسائل“، الفائزة بالمركز الثاني ضمن ”جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع“ لعام 2022.

وتتناول القاصة في مجموعتها العلاقات الإنسانية، مستهدفة اللقاء الأول وما يدور خلاله من حوار بين الأشخاص، ومدى تخطي ذلك للحدود الذاتية للفرد.

كما تتناول الوهم، حيث يعتقد البعض بقدسية الأشياء الخارقة، دونما إحكام للعقل، وتصبح فيما بعد جدارا في حياة الناس، لا يمكنهم اختراقه.

وتعالج القاصة في المجموعة الحروب المتكررة بين القبائل العربية، التي تقوم على الاختلاف في القناعات، بفعل العقلية الرجعية، وعدم تقبل الآخرين.

وتسرد الصافي الحوارات الذاتية للمرء حول التناول السطحي للأفكار لدى العامة، وتناقض ذلك مع الحراك الفكري لدى الإنسان المثقف، مبينة أثر ذلك على سلوك الأفراد في المجتمع.

كما تستعرض القاصة مجريات العنف التي تمضي الحياة من خلالها، وتحوله لجزء من يوميات الإنسان، رغم التطور الحضاري في الطبيعة البشرية.

فيما تناقش القاصة السودانية سلوك الإنسان الافتراضي الذي تحقق بفعل مواقع التواصل الاجتماعي، صانعة المقارنات بين الإنسان في الواقع، والإنسان في العالم الافتراضي، مبينة من خلال ذلك أثر التكنولوجيا في بناء القناعات الوهمية حول الأفراد، التي تكون معاكسة لما يكونون عليه في الواقع، بالإضافة إلى قضايا اجتماعية أخرى احتواها السرد.

عادات وتقاليد

وتسلط آن الصافي في مجموعتها الضوء على العادات والتقاليد السودانية، وميل المجتمع السوداني للعلاقات الاجتماعية، موصفة تلك الألفة التي تتحقق بين السودانيين في اللقاء الأول بينهم، في الأماكن العامة ووسائل النقل.

ورد في السرد ”الركاب من السودان بالجوار يتحدثون في أمور خاصة وأخرى عامة وكأنهم أسرة واحدة أو أصدقاء عمر.. والحقيقة هذه ثقافة شعب، ومن المرجح أن هذا اللقاء هو الأول لهم في هذه السفرية“.

تقسيم

وتعتمد القاصة تقسيم مجموعتها إلى ثلاثة أقسام، جاءت عناوينها ”المسألة الأولى: غياب“، وتشتمل على بضع قصص قصيرة.

أما القسم الثاني فجاء بعنوان ”المسألة الثانية :#ترند“، أما القسم الثالث فجاء بعنوان ”المسألة الثالثة: أبناء النهر“، وجاء مختصرًا بقصة طويلة بعض الشيء قدمتها ضمن أدوات مسرحية.

الحدث المفاجئ

وبدت لغة القاصة، سهلة متقنة إذ جاءت واصفة دقيقة للمشهد القصصي، وتمكنت في جميع قصصها من التفرع لمسائل مختلفة بررت من خلالها حبكتها السردية، عبر أدوات التشويق المختلفة والصدمة، بما يحقق الجاذبية لقصتها.

فخلال رحلتها السردية تعرف آن الصافي كيف تفتعل الحدث المفاجئ الذي يوتر أجواء السرد ويرفع أدرينالين الجسد، فكانت طريقة وصفها مشوقة، إذ اعتمدت التمهيد للحدث عبر إبطاء الحدث السابق للحريق في قصة ”غياب“، وتسارعت من بعد ذلك الأحداث.

أسئلة

كما تتمكن القاصة في القصة نفسها من إثارة الحيرة والاستغراب لدى القارئ، من خلال إخفاء عنصر من عناصر القصة، يتعلق باختفاء السيد جلال، المتقدم للوظيفة، داخل الحريق.

وكذلك تضع القاصة احتمالات متعددة حول حقيقة وجود السيد جلال من الأصل، عبر إثارة الشك وطرح الأسئلة التي تنقل الحيرة من الشخصيات للقارئ، بحيث آلت النهاية إلى طريق مفتوح، دون التأكد من حقيقة شخصية جلال، وهذا التكنيك السردي، يهز قناعات القارئ، ويعزز في داخله رؤية الحدث فيما بعد من أكثر من وجهة، والتطرق للشك لا التأكيد في اليوميات.

وتكتب آن الصافي ”بدأت أشعر بالتوتر والقلق. في حيرة أين ذهب وأين اختفى. لم نغادر أماكننا حتى أكد لنا رجال الإطفاء والمسعفون والمتواجدون حول المبنى، بأنهم لم يروا شخصًا بهذه المواصفات بين المصابين، كما إنه تم تفقد المبنى والتأكد من خلوه“.

وتتابع ”بعد أسبوع عدنا إلى العمل بمقر الشركة، ولكني ما عدت إلى الحياة التي عرفتها قبل تلك الدقائق التي حضر فيها ذاك الشاب ذو الجلباب الأبيض“.

ديستوبيا

وفي قصة ”الربح“، تبين القاصة هيمنة التكنولوجيا على الحدث اليومي في الواقع، حيث يكشف السرد عن أنه كيف أصبح بإمكان أي شخص فتح بث حي عبر مواقع التواصل، ونقل الحدث حوله لكل سكان العالم، بل ويصنع من ذلك قضية رأي عام يتداولها الجميع.

وتجيد الصافي عبر لغتها، رسم المشهد الديستوبي للحرب داخل المجتمعات بفعل القتال الطائفي، وتنقل صورة مؤثرة، كتمهيد للكشف عن الشخصية الرئيسية ”غادة“، وما طالها وعائلتها من تشريد وقتل خلال الحرب، ومن ثم تنطلق نحو نتائج الحرب، وأثرها على الفرد والمجتمع.

فيما تسلط آن الصافي سهامها حول قضية الهجرة عن الوطن، بفعل تكرار الحروب وانعدام الأمن، وتتساءل بشكل مستفز للوعي حول الأفضلية في البقاء أو الهرب من الوطن، وتناقش مدى الخسارات التي تعود على المرء جراء هجرته، ومدى الربح الذي يناله الإنسان في الغربة أو الوطن.

ودومًا عند آن الصافي هنالك حدث طارئ تعزز من خلاله فكرتها السردية، وتصنع الحراك السردي حول الحدث، وهو ما يزيد من إعمال الوعي ويخلخل القناعات الثابتة حول الأشياء لدى القارئ.

تكتب القاصة ”لم تستوعب ما سمعته منهن مباشرة.. فعقلها كآلة يعمل، يتلقى الأوامر وينفذ.. لا ذاكرة لأي أمر مضى قبل كوخ الزوجين الهرمين. تاريخها بدأ من تلك النقطة، غريبة مع غرباء في مكان غريب. أصبح جسدها ينتفض. تمسك بثيابها الرثة التي تحاول جاهدة أن تستر جميع جسدها“.

وتضيف ”أغمضت عينيها، اتكأت على جذع الشجرة خلفها. أصوات نساء وأطفال ورجال بطبقات صوت متعددة تردد كلمات وجملا. لا تفهم حتى اللغة التي يتحدثون بها“.

يذكر أن الكاتبة تعمل إعلامية، وسبق أن صدر لها العديد من الأعمال القصصية، والتي جاء من أبرزها، ”فلك الغواية“، ”خبز العجز“، ”إنه هو“، وغيرها من الإصدارات.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك