ثقافة

المجموعة الشعرية "التفاتة نحو نغمة خافتة".. أسئلة عالقة بفعل التجارب
تاريخ النشر: 07 سبتمبر 2022 12:05 GMT
تاريخ التحديث: 08 سبتمبر 2022 8:35 GMT

المجموعة الشعرية "التفاتة نحو نغمة خافتة".. أسئلة عالقة بفعل التجارب

تتعمق الشاعرة اللبنانية أصالة لمع في جوانب مختلفة من الشعور الإنساني، متبعة بطريقتها الخاصة، لغة تلخيص التجارب، متنقلة بين محطات مختلفة في عمر ومشاعر الإنسان.

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تتعمق الشاعرة اللبنانية أصالة لمع في جوانب مختلفة من الشعور الإنساني، متبعة بطريقتها الخاصة، لغة تلخيص التجارب، متنقلة بين محطات مختلفة في عمر ومشاعر الإنسان.

وتبين كذلك العديد من الصور والأسئلة العالقة، بعد فراغ التجربة، وذلك في المجموعة الشعرية ”التفاتة نحو نغمة خافتة“ الصادرة عن دار أثر للنشر 2022.

تستهدف الشاعرة في مجموعتها العديد من المفاهيم الإنسانية، ومشاعر المرء نحو الأشياء المحسوس منها، والملموس، فترى الوقت بهلامية تركيبه، إحساسا داخل الجسد وخارجه، يتمدد وينكمش، حسب ما تتطلب الحالة الشعورية للمرء، وترى أن هنالك لحظة تكون أوسع من الكون بأكمله، في اشتباكها مع الإنسان.

لعبة الإنسان مع الوقت

وتستكشف من خلال لعبة الإنسان مع الوقت، العديد من التفاصيل كالنسيان، والذكريات، وسقوط الإنسان أمام آلامه في موقف ما.

كما تحاكي الشاعرة مشاعر الانطفاء والخفوت والخوف والعجز في حياة الإنسان، معززة نصوصها بصور سهلة، وتشبيهات يعايشها المرء في يومياته، محققة معايير قصيدة النثر عبر الإيقاع الداخلي للنص، ووحدة موضوع القصيدة والتكثيف الذي تبني من خلاله جملتها الشعرية.

وتتطرق أصالة لمع لمشاعر الوحدة والخيبة والخذلان والخوف والهاجس من التفاصيل.

لغة سلسة

وتستطيع الشاعرة أن توصل النبض الداخلي للنص عبر لغة شعرية سلسة، تغيب عنها الكلمات الجامدة، وتغلب عليها صفة الألفة والقرب من وعي القارئ.

وتبدو اللغة في المجموعة مائلة للتكثيف، مع بعض التنقلات النثرية بين الجمل المكثفة، وهو ما لا يضر قصيدة النثر بل يزيد من حيوتيها.

وتتنوع القصائد بعناوينها المختلفة، ما بين الطول والقصر، معتمدة على عدة أساليب منها النفي والنهي والتقرير والتعجب والاستفهام، كل ذلك أضاف للحالة الشعرية وزاد من من تنوعها الفكري خلال القصائد التي امتدت على 104 صفحات من القطع المتوسط.

ضفة

وفي جانب فلسفي، تفتح الشاعرة باب التأويل والتفكر في أبرز محطات الواقع لحياة الإنسان، تلك التي تتنوع مشاعرها، وتصفها الشاعرة بلفظ الضفة، وهنالك حسب رؤيتها ضفة أخرى دوما نطمح للوصول إليها.

وتضع أصالة لمع نماذج الدوار التي يسقط الإنسان من خلالها، ويصير بحاجة إلى جسر يعبر من خلاله إلى المكان الذي يعتقد أنه آمِنٌ على الضفة الأخرى، لكنها تستدرك أن هذا الجسر لربما يكون هو المكان الذي تتغير فيه صورة الإنسان ومعتقداته، ولربما يكون هوة أكثر عمقًا مما مضى.

هذه الجدلية التي تصنعها الشاعرة من خلال ملامسة الموضوعات الأكثر قربا والتصاقا للذات البشرية، هي ما تجعل من النص عابرًا للزمن، لامتلاكه لهجة المفاهيمية الدائمة التجدد، والمتغيرة حسب ما تتطلب البيئة والأشخاص.

تقول الشاعرة في نص ”الجسور /عبور وشرود“:

”بنينا الجسور،
لنعبر إلى الضفة المقابلة
من أي شيء،
نهر
هوة سحيقة،
أو أشياء داخلنا شلّعتها الأيام،
كحب قديم،
لم يصبح ذكرى تماما،
حلم لم يتحقق
ولم يعد صالحاً مع الزمن أيضاً.
كخطأ وحيد
أنجب قبيلة من وساوس الندم،

بنينا الجسور ّتصورنا
أن الجسر لن يذهب أكثر من فكرة الوصل.َّلكن الجسور
فيما كانت تعد التقاءات الأمكنة
المستحيلة،
صار لها هاجسها الخاص بالهاوية.
وفيما كانت تعيد ترتيب المسافة،
مع العالق منا بعيدا،
صنعت لنا هاجسنا الخاص بالوصول“.

أسئلة تتكاثر

وتتأمل الشاعرة المزيد من المشاعر الإنسانية عبر تبدل الفصول، فتعترف بحب بداية الشتاء، مثل كثيرين غيرها، لكنها تكشف عن الجدران التي تحطينا بها الوحدة في الشتاء “ في الشتاء/ أكثر من باب ينغلق على وحدتنا / والوحدة لا تمازحنا!“.

كما تظهر الشاعرة فعل عمر الإنسان على الوعي، كاشفة عن ضراوة الأسئلة التي تحاصر المرء وتداهمه بعد انقضاء عمر الثلاثين ”والأسئلة تتكاثر كالفئران/ وتقرض في رأسي طمأنينة غابرة“.

فيما تذهب لمع نحو الرؤية البشرية للواقع، والغبش الذي يصيب الإنسان في وعيه، لا نظره، بحيث يكتشف بعد حين أنه يرفض ما كان يقول عنه صحيحا في الماضي ”الضباب جزء من الطريق“.

تكوين المرأة

وبطريقة النفي والاستدراك المتخفي، تكشف الشاعرة عن وسع المساحة التي تدور من خلالها المرأة في الحياة، مبينة قِصر فهم المجتمع العربي للمرأة، وعدم درايته بقدرتها على تخطي الصعاب التي تواجهها. ويمكن قراءة عمق المشاعر التي تحملها المرأة تجاه الأشياء، وبأنه لانمطية في تقدير الأمور، ولا تكرار لديها في تبني القناعات، بحيث يبقى الباب لديها مفتوحا على كل الاحتمالات.

فالمرأة عند أصالة لمع، ليست بحجر يمكن سحقه ولا بخزف يمكن تكسيره، ولا بجناح فراشة يمكن محقه، ولا بليل ينتهي، ولا بشلال ماء يجف في أي لحظة، وليست بسراب ولا حقيقة، وإنما بين ذلك كله تتنوع بصفات المرأة الشعورية. وفي ختام ذلك كله، تنفي الشاعرة وجود المرأة بالمطلق، إذا بقيت في المجتمع مقتصرة على الفهم الخاطئ المجحف بحقها.

بؤرة

وعبر تقنية البؤرة في كتابة الشعر، تكتب الشاعرة تأملاتها في المرأة، حيث تبدأ المقاطع بصيغة النفي ”لم تكن“ وفي كل مرة تختلف الصورة التابعة في المقطع، وهذا التكنيك من جانب إجمال القصيدة في موقف نحو الحياة، وتفسيرات مختلفة تعزز فهم القارئ وتعمقه في الحالة.

تقول الشاعرة في نص ”لم تكن“:
لم تكن حجراً
تلك المرأة
الثابتة كصخرة،
لم تكن من خزف،
تلك المرأة
الهشة
كجناح فراشة.

لم تكن تبكي
تلك المرأة
الحزينة كليل.

لم تكن تضحك
تلك المرأة الجذِلة
كشلال ماء.

لم تكن
تلك المرأة سراباً،
وما كانت حقيقة،
لم تكن تلك المرأة،
لم تكن.

رمز العنوان

ويحمل عنوان المجموعة ”التفاتة نحو نغمة خافتة“ رمزية النظرة الملخصة نحو الأشياء، وهي نظرة المغادر، وهو يودع المشهد بأكلمه، جسده يتجه للأمام، ونظراته تبتعد عن المشهد تدريجيًّا، وهي صورة مركبة تنجح من خلالها الشاعرة في طرق الذات النغمة الخافتة التي تبدو في أقصى ركونها بعد انقضاء التجارب، وتبدأ من بعدها رحلة الأسئلة المربكة، وكأنما الشاعرة لمع، أرادت أن تقول: على الإنسان أن يقرأ تجاربه بنفسه.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك