ثقافة

"بار ليالينا" لأحمد الفخراني.. سرد هزلي لحياة المثقفين والفنانين
تاريخ النشر: 25 يوليو 2022 17:45 GMT
تاريخ التحديث: 25 يوليو 2022 19:00 GMT

"بار ليالينا" لأحمد الفخراني.. سرد هزلي لحياة المثقفين والفنانين

يستعرض الكاتب المصري أحمد الفخراني بطريقة هزلية مشاهد من الصراع الاجتماعي، عبر روايته "بار ليالينا" الصادرة عن دار الشروق للنشر 2022. تسرد الرواية حياة مجتمع

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يستعرض الكاتب المصري أحمد الفخراني بطريقة هزلية مشاهد من الصراع الاجتماعي، عبر روايته ”بار ليالينا“ الصادرة عن دار الشروق للنشر 2022.

تسرد الرواية حياة مجتمع المثقفين والفنانين بشكل هزلي، مظهرة الجانب المشوه من حياتهم، ويكشف العمل عن شخصية نوح الرحيمي ”الكومبارس“ الذي شارك في عشرات الأفلام الصامتة، لكنه كان على الدوام يشعر بالإحباط كونه خارج هذا العالم الذي يتمناه.

لقد حلم ”نوح“ بدور البطولة لا ”الكومبارس“، وسعى ليكون في المركز لا الهامش، لكن الكاتب يجسد تركيبة نفسية انتقامية، أسس لها عبر سرد مُصوّر لطريقة الحياة التي تحياها فئة من الفنانين والمثقفين والإعلاميين، ورجال القانون، يعتبرون من هو خارج هذه الدائرة حقيرًا، لا حق له في مرافقتهم، والانضمام إليهم.

هذه الأفكار يصوغها الفخراني عبر سرد متقن، ولغة حكائية، مونولوجية، وحوارية، خالية من الحشو والتكرار والقطع.

سر العرض

وبالرغم من انكشاف المحتوى منذ البداية، ومعرفة القارئ فحوى الإسقاطات والأفكار، إلا أن الكاتب أبقى في يده سر طريقة التشكيل والعرض، وتقافز في السرد المجسد للواقع، عبر ميكانيزم، يحمل الأفكار الخيالية الملهمة.

ولربما سقط الكاتب بداية في فخ عرض الفكرة دون مواربة، وهي مخاطرة في بناء السرد، ويحمل هذا تحديات مرعبة في كيفية الحفاظ على قوة جذب القراء حتى النهاية.

لكنه تمكن من دمج مفردات وأفكار الواقعية السحرية خلال سرده، وهو ما عوّض أدوات التشويق التي كاد أن يفقدها منذ البداية.

ففي البداية يستعرض الكاتب مكونات شخصيته البطلة ”نوح“، كموظف في شركة أدوية حكومية، تمضي حياته المهنية برتابة، وما أراده هو اكتشاف ذاته المحطمة، عبر الفن، فكان طموحه الجارف الوصول لأبعد المربعات في طريق الفن، ونيل البطولة المأمولة في التمثيل.

وأعطى الفخراني لبطله القدرة على التقمص والتلبس في شخصيات عدة، كنوع من الإدهاش، وإكساب الشخصية الغرابة، وهو ما ساهم فيما بعد في بناء حبكة روائية تقدم المفاجأة تلو الأخرى للقارئ.

خدعة

الخدعة في مجريات الرواية حجر أساس، اعتمد عليها الكاتب في إنتاج صراع بين الشخصيات.

فعلى الجانب المقابل لطموح الرحيمي، كان هناك يسري الحلو ونديم الصحفي، وكلاهما يعمل في مجلة الحقيقة.

وحملت ”نعمات“ صاحبة البار دور الأنثى المخذولة في حياتها الزوجية مع فؤاد، وبقيت طامعة إلى المال.

وهي الخدعة التي اعتمدها ”نوح“ في إثبات ذكائه أمام مجموعة من المثقفين والفنانين، اعتبروه في البداية أحمق لا يتعدى كونه سوى ”كومبارس“ يثبت ذكاء وقدرة البطل في سيناريو الحياة.

من أجواء الرواية:

”بدون موضوع، كان نوح يصور أفلامه ويشرف عبر إشارات متفق عليها من الإخراج. شاهد نوح في تلك الفترة عددا كبيرا من الأفلام الصامتة القديمة، أعجبته الكوميدية منها، لأنها تجعل من المأساة شيئًا مقبولاً، فقد أدلوا بكل مآسيهم من قبل للصحف، ورغم ذلك لم تحرك الشفقة شيئا في نفوس المنتجين، فليجعلوا من مآسيهم ملهاة كبرى إذن، وقد أدرك نوح ببراءة الجهل وحدها أن القاسم المشترك في الأفلام الكوميدية الصامتة هو التعثر.

بطل بلا حول أو قوة، يحمل طيبته وبراءته في مواجهة العالم، يواجه عقبة تلو أخرى، يتعثر في كل شيء، في ساقيه، في الآلة، في لوح بناء، شرطي، صاحب مصنع، أنوف متغطرسة، ثم ينتصر في النهاية، حيث يقوده سوء حظه الدائم إلى اكتشاف الحظ جزاء وفاقا لأنه واجه تعاسته المعلقة في رقبته كجرس بالقبول والرضا“.

المكان كبطل

ولم يستطرد الفخراني في تحليل الأصوات الداخلية لشخصياته الروائية، واقتصر على طريقة عرض متشابكة قائمة على اللعب بآلة الزمن لتقديم مشاهده السردية.

فاكتفى في معظم المرات بصوته الروائي كراوٍ، ليخبرنا عن شخصياته المتصارعة، ولم يلجأ لثيمة المونولج إلا قليلًا.

أما ميكانيزم الصراع، فاكتسب وقوده من المكان ”بار ليالينا“ الذي حمل دور بطولة أيضًا، وقدمه الكاتب مسرحًا حيويًا، كنوع من الإسقاط الهزلي على الأحداث.

فلو شبهنا حلبة الصراع الروائي للعمل بلعبة شطرنج، فنجد محاولة جماعة المثقفين طرد العنصر الضعيف خارج اللعبة، والتهامه، ومن الجانب الآخر، كان جهد نوح محاولة كسب مربع جديد في اللعبة والتقدم نحو حجر الملك، فلم يقبل بطرده خارج إطار اللعبة، وإنما عاد لإحراقها بالكامل.

يكتب الفخراني:

”يظنون أن بإمكانهم شراء الذكاء، لكن كيف يحصلون على ما لا يؤمنون به، «لقد قرأ تلك الفقرة مئات المرات دون أن يتجلى له المعنى، ثم بزغت الإجابة الأخيرة والنهائية: الإيمان، كان نقصانه إذن هو كعب أخيل خطته، لا الحماقة ولا حذاؤه الوسخ؟ لقد شك في شيخه، تعرض للاختبار فطرد، ثم أودت به الظنون قبل أن تسلمه للخواء.

والفزع، ما يقدمه نديم في رسالته هو الطريقة المثالية لعقد الصفقة“.

نقد

الرواية تحمل رؤية نقدية للمجتمعات برمّتها بطابعها الهزلي، كاشفة عن فجوة عميقة بين الحياة والإنسان بإشكالياته المعقدة، حول طريقة تقدم ذاته لمن حوله، وطريقة تلقي الآخرين لذلك.

فميل الإنسان للتفرد بالنجاح والسيطرة على الآخرين وإخراجهم من الحلبة معضلة اجتماعية تحاكيها الرواية من خلال تلميحات ساخرة على يوميات الإنسان العربي.

كما يدمج الكاتب صيحة الواقع المعاصر بشكل ساخر عبر التطرق إسقاطًا للكائنات الفضائية، وكان في ذلك يلمح للسخرية من قناعات المؤلفين والشعراء والفنانين حول ذواتهم المشبعة بالشغف والاختلاف عن باقي البشر.

ثيمات مختلفة

يمكن الالتفات لاختلاف الثيمة المتبعة من الفخراني في طريقة الطرح والثيمة السردية، والبناء، عبر رواياته الثلاث: ”بياصة الشوام“ و“إخضاع الكلب“ وروايته هذه.

ففي ”بياصة الشوام“ كان الكاتب يوصف الشخصية الراغبة في الانفصال عن المجتمع عبر رموز تخييلية مكثفة، ومكونات قائمة على التساؤل والتلميح.

أما في ”إخضاع الكلب“ فعمد الكاتب لعالم فانتازي نفسي يقوم على التحليل والتفسير عبر الصراع مع العنصر الحيواني، متناولًا البيئة التي تتسبب في حبس الإنسان داخل محيط ما، وحتى داخل العلاقات مع الأشياء.

لكن في ”بار ليالينا“ تصنع الواقعية المطعمة بالفانتازيا الوجودية ثيمة جديدة للفخراني.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك