ثقافة

قصائد الشاعر الكويتي دخيل الخليفة تحرر وتأسِر معاً
تاريخ النشر: 18 يوليو 2022 15:44 GMT
تاريخ التحديث: 18 يوليو 2022 17:10 GMT

قصائد الشاعر الكويتي دخيل الخليفة تحرر وتأسِر معاً

دفقٌ غزير يتخلل قصائد الشاعر الكويتي دخيل الخليفة، ليس على صعيد الأفكار وحدها، ولا على مستوى تصاويره الفريدة، وإنما ثمة نسغٌ كاملٌ للغته يأسرك بزخمه، ويجعل من

+A -A
المصدر: بديع صنيج - إرم نيوز

دفقٌ غزير يتخلل قصائد الشاعر الكويتي دخيل الخليفة، ليس على صعيد الأفكار وحدها، ولا على مستوى تصاويره الفريدة، وإنما ثمة نسغٌ كاملٌ للغته يأسرك بزخمه، ويجعل من قارئه متورطا بالشعر الذي لا فكاكَ من قوّة أسلوبه، وحُسنِ تعابيره، وسلاسة نبضه.

وبقدر ما يأسِر شعر صاحب ”يد مقطوعة تطرق الباب“، فإنه يُحرِّر الروح، فالقصيدة عنده مَطْهَر، وبرزخ نحو الحرية؛ إذ لا يلبث المرء أن يغوص في عوالمها، مُتَلَهيا عن فضاءاته التي يعيش فيها، وسارحاً في خيالات الشعر نحو أمداء جديدة، وآفاق غير محدودة.

كتب الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر، ورغم اختلاف القوالب والأشكال، إلا أن شعريته ظلَّت هي هي، بعيدة عن التنميط، لاسيما أنها تتناسَل من ذاتها مرارا، وفي كل مرة تخرج أبهى من السابق، وأكثر حيوية، وكأن ”الخليفة“ يُعيد الاعتبار للغته بتجديدها، ولصوره بجعلها أكثر رهافة.

انشغل صاحب ”صاعداً إلى أسفل البئر“ بتأصيل هويته الشعرية، ربما كردّ فعل إنساني على كونه من ”البدون“ الكويتيين، فأصبح الشعر جواز سفره، وشهادة ميلاده، ورخصة قيادته، إلى عوالم أرحب من الجُّور الذي حلَّ به بسبب التعصُّب الإنساني الأعمى؛ إذ بات يرسم أبعاد فضائه الخاص بعيدا عن الجنسيات، وحدود الجغرافيا الواهمة، وهفوات التاريخ المُنكرة.

في قصيدته ”حرية“ يستنكر جميع المظالم، وتكميم الأفواه، واعتقال العقول، وتزييف التاريخ، وجاءت بمثابة صرخة في وجه الألم المديد، وبيان عن الحقوق المسلوبة، يقول فيها: ”الحريّة ابتسامة على خرج بعير/ وحدَها المدينة حالكة السواد/ وأشباحها تشرب الدم“.

والملاحظ قدرة هذا الشاعر الكويتي على المزج بين ذكرياته عن مجتمع البدوي الذي عاصره في الماضي، وهو ما نلمحه كثيراً في ديوانه ”صحراء تخرج من فضاء القميص“، وبين المدينة المعاصرة التي يعيش فيها، إذ يدمج بين العالمين بسحرية فائقة، وبروح واحدة قادرة على اقتناص الشعرية من العالمين من دون نَوَسان فيها.

المرأة في شعر ”الخليفة“ هي الوطن، وهي الحلم الذي يعيشه باستمرار، لذا نراها لا تأسره بجسدها، ولا تتركه رهينَ محاسنها ومفاتنها، لكنها تبقى مشتهاة، وذات مكانة عالية في قصائده، وإن كان خطابه لها أقرب إلى العتاب.

يقول في قصيدة ”تأخذين من يدي مودَّتها“: ”خذي من يدي دفئَها/ واتركي الروحَ تستدرجُ العشبَ/ كي يستمرَّ المواءُ على مرمرٍ لا يعاتبُ غير السراب/ خذي من شظاياي وعدَك/ ولْتُطْلِقي الأرضَ وعلاً يدورُ على جسَدي ويَحُكّ بقرنيه صفصافةَ الغارقينَ بأنفاسهم“.

الدارسون لشعره يلحظون من دون أدنى شك تأثره بمحمود درويش وخاصةً في ديوان ”أحد عشر كوكباً“، لكنهم يلمحون أيضا خلاصه من الأثر الدرويشي الذي سيطر عليه ردحاً من الزمن، ولعل ذاك التأثر، يعود إضافة إلى الجماليات الأخاذة لشعر درويش، إلى أن كلا الشاعرين يعاني من جرح الهوية، وقضية الانتماء إلى الوطن.

ولأنه يعتقد بأن الشاعر هو رسول البشرية جمعاء، فإننا نلحظ البعد الإنساني فيما يكتب، إذ إن صاحب ”عيون على بوابة المنفى“ لا يُشخِّص ذاته في شعره، وإنما يُمعِن في إذابة نفسه مع الكُلّ، وصهر روحه مع روح الجماعة العالمية؛ لذلك تنتقل قضاياه الشعرية من الأنا الفردية إلى أنا كونية تشمل الإنسانية جمعاء.

وتأتي قصائد صاحب ”بحر يجلس القرفصاء“ كمحاولة لإحداث التوازن بين المآسي والفجائع والمرارات التي يعيشها الإنسان وبين إمكانيته أن يستمر في العيش، فالشعر تميمة للتوازن كما يراه، وفيه نجد عوالمنا الخاصة، ونعثر على ذواتنا، هو هروب ونجاة من البؤس عبر لغة الجمال.

يقول: ”ترفعُ الشـِّعرَ عن ساقـها/ لغة ُ الانحناء../ و ما بينَ قبرين ِ نذبحُ هدهدنا/ ثم لا شيء/ لا شيء يستل من لجةِ البئر قمصاننا..!/ تموتُ الكتابة / تحيا الكآبة / يفتتحُ الغيمُ ترحالنا/ نتوهجُ في الظل/ يكتبنا الوحل مرثية ً للفراغ“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك