ثقافة

أحمد الملا.. سينمائي الشعر السعودي المعاصر
تاريخ النشر: 30 يونيو 2022 12:18 GMT
تاريخ التحديث: 30 يونيو 2022 14:10 GMT

أحمد الملا.. سينمائي الشعر السعودي المعاصر

"يدخر الشاعر في الحصالة آخر اليوم/ خطأ صغيرا/ خطأ لست قادرا على تصويبه/ خطأ غامض خطأ حاد/ يتخفى بين الشقوق/ فلأكسر الحصالة على ركبتي/ خاطفا ما تطاير/ بيد راعشة/

+A -A
المصدر: بديع صنيج - إرم نيوز

”يدخر الشاعر في الحصالة آخر اليوم/ خطأ صغيرا/ خطأ لست قادرا على تصويبه/ خطأ غامض خطأ حاد/ يتخفى بين الشقوق/ فلأكسر الحصالة على ركبتي/ خاطفا ما تطاير/ بيد راعشة/ وأمضي/ في خفة المفلسين“، وفق هذه الغنائية الرشيقة يصوغ الشاعر السعودي أحمد الملا معظم منجزه الشعري.

قصائد هذا الشاعر تتقصى مداها وآفاق لغتها الثرية، وتزاوج بين السرد والتعليق والتصوير فهو السينمائي المهووس بالصورة وانشغالاتها الباذخة، كل ذلك في سعي القصيدة لابتكار خصوصية من خلال جمعها بين الوعي النقدي والمعرفة الجمالية، لذا نستطيع القول إنه سينمائي الشعر السعودي المعاصر.

والجميل في تجربة ”الملا“ التي ضمت خمسة مجاميع شعرية، وامتدت لأكثر من خمسة وعشرين عاما، أنها تنشغل بالمرئي والبصري، كما تتضمن نبرة حائرة دائما، تمزج بين المتناقضات تحت ضغط أخلاقيات الجمال التي يسعى دائما لالتقاطها في مفردات الحياة والطبيعة، البشر والحجر، الطيبة والتَّوحُّش، المرئي واللا مرئي.

صاحب ”خفيف ومائل كنسيان“ يقتنص الحياة من المفردات المتوارية، ويسكب الأمل في قلب المدقعين باليأس، ويوارب الموت ما استطاع، فبرأيه أن الحياة تحتاج إلى تلطُّف بكائناتها، ومفرداتها، خاصةً في ظل القمع والنَّبذ المستمر للإنسان الأخلاقي، ولذا يعتقد أن مهمة القصيدة هي مساندة ذاك الإنسان على مجابهة مَكْر الحياة.

الملا في تصديه لكتابة رؤاه وتصوراته الشعرية عن الوجود والعالم، يشاكس باستمرار، ويشاغب بنزق وتَشكُّك، مُصوِّرا الهشاشة باعتبارها المعدن الأصيل في الإنسان، وعلى نقيض ذلك يكتب صاحب ”تمارين الوحش“ عن كيف يقمع البشر أرواحهم ويهذبونها ويروضون هذياناتها، جاعلا من اللغة معينا لأولئك البشر في اكتشاف ذواتهم.

وتحتل السخرية مساحة باذخة من قصائد صاحب ”سهم يهمس باسمي“، إذ يتكئ عليها في وعي الوجود، وكتابة مرحة وتمتلك عناصر دهشتها على الدوام، كأن يتداخل الصوت الأنثوي ببوح الشاعر، ويصبح جسد الأنثى وتاريخها أحد هواجسه المديدة، يقول في أحد حواراته ”الأنثى هي الكائن الذي حافظ على طبيعته الأولى، لهذا انشغلُ بها جسدا وتاريخا، ودائما ما أحاول أن أصيغ العالم على هيئة أنثى، حتى أنجو بروحي“.

”أنهكتني حياتي حين كتبتها/ ظلت ترتمي أمامي/ جانحةً على شاطئ ضحل/ لم تسعفني حيلة/ تعيدها إلى حيث تغوص الحيتان/ يوجعني مرآها تتمرغ/ وتنفخ في الوحل“، هذا التأمل الهادئ في الوجود هو أشبه ببوصلة الملا الشعرية وهو ما يذكرنا بما قاله الناقد الفرنسي ”رينيه شار“ من ”أن الشعر هو حياة الإنسان وقد أعيد له الاعتبار“.

هذا الاعتبار هو ما يسعى إليه صاحب ”يوشك أن يحدث“، ويزيد من زخمه الغوص في هواجس النفس البشرية، ومحاولة استقراء مخاوفها وعتبات هيجانها، واستمراريتها في دفع صخرة سيزيف، والأهم أن ”الملا“ يسخر كل ذلك من أجل النهوض بلغة مختلفة في تدوين تلك الآلام، وتتخلص تلك في كثير من الأحيان من هدوئها وتأمليتها، لتصبح صارخة من عمق الألم.

قصيدة النثر لدى الملا لها روحها الخاصة، المنسجمة مع روح شاعرها التواقة إلى المختلف والخارج عن السرب، وهو ما يضعها في مكانة فريدة ضمن المشهد الشعري السعودي، إذ إنها تمتلك عناصر فردانيتها، ورغبتها الدائمة في النُّفور، إذ تراها مرة مباشرةً دون إغراق في ذلك، وفي أخرى سردية تحكي حكايا الفقد والغياب، وثالثة صادمة ”مثل موسيقى مذعورة تنبأت بقدوم كارثة“ كما يقول في ديوانه ”مرآة النائم“.

للشاعر السعودي أحمد الملا العديد من المجموعات الشعرية، هي: ”ظل ينقصف“، و“خفيف ومائل كنسيان“، و“سهم يهمس باسمي“، و“تمارين الوحش“، و“كتبتنا البنات“، و“علامة فارقة“، و“الهواء طويل وقصيرة هي الأرض“، و“ما أجمل أخطائي“، و“حفرة على مقاسي“، و“حسن السبع“، و“إياك أن يموت قبلك“، و“فهرس الخراب“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك