ثقافة

"رحيل وغربة".. رواية مصرية تستعرض تهجير النوبيين خلال بناء السد العالي
تاريخ النشر: 24 أبريل 2022 15:23 GMT
تاريخ التحديث: 24 أبريل 2022 20:35 GMT

"رحيل وغربة".. رواية مصرية تستعرض تهجير النوبيين خلال بناء السد العالي

تستعرض الكاتبة المصرية دينا شحاتة، حال سكان قرى الجنوب المصري على نهر النيل، إبان بناء السد العالي، وتعرضهم للتهجير وإعادة توطينهم، في ستينات القرن الماضي، في

+A -A
المصدر: إرم نيوز

تستعرض الكاتبة المصرية دينا شحاتة، حال سكان قرى الجنوب المصري على نهر النيل، إبان بناء السد العالي، وتعرضهم للتهجير وإعادة توطينهم، في ستينات القرن الماضي، في روايتها: ”رحيل وغربة“.

ففي الرواية الصادرة عن دار المصري للنشر والتوزيع، نهاية عام 2021، تتناول الكاتبة أحوال القرى المصرية في أقصى جنوب مصر، على حدود نهر النيل في بداية ستينات القرن الماضي، حيث الحياة البسيطة، وحالة الفقر التي كانت تطال سكانها.

في ذلك الزمن كان الرجال يضطرون للسفر لأوقات طويلة ويبتعدون عن عائلاتهم من أجل تأمين مصادر العيش.

كما وتسلط الكاتبة الضوء على طبيعة العلاقات الاجتماعية بين أهالي تلك القرى، مبينة طبيعة العادات والتقاليد في الزواج والاحتفالات.

2022-04-2021-637600500917460689-746

حزن جماعي

وفي جانب أكثر بؤسا، تبين الروائية دينا شحاتة، الصوت الجماعي للحزن، لأهالي القرى النوبية الجنوبية الواقعة على امتداد نهر النيل، والتي تعرضت للتهجير الجماعي.

كما تشير إلى إعادة التوطين، بقرار من الحكومة المصرية وقتها، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بسبب اتجاه الحكومة لبناء السد العالي، والذي يحقق مصلحة قومية لمصر في توليد الطاقة.

لكنه كان على الهامش يتسبب في غرق قرى الجنوب، مثل قرية وداي حلفا، وفرص، وأدندان، وغيرها من القرى التي بلغت العشرات، وتم ترحيلهم إلى هضبة كوم إمبو.

وتعكس أحداث الرواية تأثر حياة الناس وتجارتهم وزراعتهم، وحتى عاطفتهم، وعلاقتهم الاجتماعية، بفعل عملية التهجير القسرية.

ويسود الأفراد حالة من الحزن الشديد على فقدان الذكريات مع الأرض والبيوت البسيطة والمكان.

ونجحت الكاتبة من خلال الشخصيات الأكثر حيوية في العمل، من نقل طابع إنساني على هامش عمل المتفجرات والبناءات والحفريات التي كانت تتم في تلك المناطق.

كما توثق الرواية زيارة الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر لتلك المناطق النائية.

سرد بطيء

وتتسم الرواية بالبطء في الأحداث، وكأن الباخرة التي تتنقل ما بين القرى عبر نهر النيل، تحمل رمزية مشية الأحداث البطيئة.

كما أن هكيلية السرد، تتناول الأحداث من أكثر من كاميرا سردية،  وفي كل مرة تضيف مشاعر جديدة ومختلفة حول طبيعة العلاقات خلال السرد الممتد إلى مائتي صفحة.

مقدمة طويلة

وتعتمد دينا شحاتة، على التوصيف الدقيق للأماكن وطبيعة العلاقات، والتغيرات الاجتماعية، متخلية عن ذلك في وصف أشكال الشخصيات، فلم تتعمق بهذا الشأن.

كما أنها تترك مساحة كبيرة للتقديم، في بداية العمل دونما الدخول في عراك الأحداث، وهو ما قد يعطي مساحة للملل بداية.

لكن بعد التغلغل في مثار الأحداث، والتوغل أكثر في عمق الشخصيات، تزداد قدرة الكاتبة على السيطرة على عاطفة القارئ، من خلال نقل مؤثر وتوصيف متماسك لحيثيات السرد.

الحبكة

لكن الحياكة السردية للعمل لم تكن تتصاعد أو تهبط، فبقي حدث ترقب غرق القرى، هو خيط الحبكة الذي تلاحقه الأحداث، لكن ذلك لم يصنع التشويق الكافي الذي تتطلبه الحبكة الروائية.

ولعل موقف حمدون العائد من الغربة، لرؤية أمه المربية وقت التهجير من أكثر الأحداث تشويقا وإثارة.

الزواج بوصية

تنقل الأحداث طبيعة النساء في تلك القرى، والطقوس المتبعة في الاحتفالات كأن تظهر ”ملاكه“ خصلة من شعرها لتبين أنها في سن الزواج.

وتحلل الكاتبة كذلك شكل العلاقات بين أفراد القرى وقتها، متناولة التجريد الذاتي للعاطفة الذي كان يخضع له الأبناء، حيث بوصايا الأجداد كانت تمرر على الأبناء حيوات لا يريدونها، فيحكم على صالح أن يتزوج من قريبته ”ملاكه“ لوصية جده بذلك، قبل موته، ويعيش صراعا داخليا، وغربة عن العالم، بفعل هذا.

من أجواء الرواية

”عاد صالح للداخل، وبقيت دهشته مُعلقة، لم يستوعبها عقله، أي زواج الآن يتورط فيه وهو على ذلك الحال من التيه، وأي حق يملكه جده ليوصي بذلك قبل وفاته بدقائق قبل أن تسنح له الفرصة لجعله يعدل عن رأيه، كيف يملك الحميع الحق في تحديد مصيره، وهو بدلا يعرف حتى الآن إلى أي طريق يجب أن يمضي“.

تعلق

كما ويخوض داود نفس مسار التجريد العاطفي، بتعلقه بـ“ملاكه“ من النظرة الأولى، لكنه لا يستطيع إعلان هذا الإعجاب، بسبب معرفته في نفس اللحظة بأنها خطيبة لقريبه وصديقه صالح.

ويصاب بالألم والغربة عمن حوله بسبب اختناقه بالواقع الاجتماعي الذي يحكم عليه أن يتزوج امرأة يختارها له غيره من أهله.

وتكتب دينا شحاتة: ”غلفه الذهول كعباءة، كيف يمكن لخبر كهذا أن يفعل داخله كل ذلك، مضى نحو شاطئ النيل يمرر له حزنه فامتلأ به أكثر حتى أظلمت السماء وتنبه إلى تلك الظلمة التي توغلت بروحه فجأة، هاله ما وصل إليه حاله، ففي أكثر لحظات حياته تشاؤما كان يرى أن وفاة أحد أحبابه يمكن أن يعتم داخله بمقدار ما، وأنه  يلزم لانطفائه الكي الكثير من الفقد، فكيف يحدث ذلك الأمر من أثر فتاة لم يعرف اسمها سوى اليوم“.

فقر

وفي الجانب الاقتصادي، تبين الكاتبة أن أسباب التهجير بفعل السد العالي، لم تكن وحدها سبب تفريق وتشتيت العائلات، وإنما أيضًا، الفقر والعوز، حيث كان الرجال يرحلون إلى المدن الكبرى، من أجل العمل وتحقيق لقمة العيش.

ومن الرواية ”نصف من يعرفهم من الرجال قد رحلوا تاركين وراءهم زوجة وأطفالا، من أجل رغيف العيش فلا سد سببا في رحيل ولا عائقا عن البقاء، وحده الفقر من يفرق البيوت وينزع سكينتها“.

سفر

ومن أكثر الآثار سلبية التي تناولتها الرواية، عدم حصول البعض على التعويض، مقابل أملاكه في قرى النوبة، بسبب موت أهله، وسفره وقت البناء، والترحيل، وكان عبد القادر نموذج الكاتبة في عدم لحاقه التقديم للدولة، لتلقى تعويضات ذلك.

”لم تعترف كشوف مصلحة المساحة بوجوده، ما دام مغتربا ولم يقم بالاعتراض، أسقطته الكشوف عن قائمتها وأسقطت معه كل تاريخه الإنساني وماضيه الذي كان يبهج قلبه الحديث عنه عندما تضيق به القاهرة“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك