ثقافة

أدب الشباب في العراق.. بين مثابرة طموحة وواقع قاس
تاريخ النشر: 17 يناير 2022 20:47 GMT
تاريخ التحديث: 17 يناير 2022 23:45 GMT

أدب الشباب في العراق.. بين مثابرة طموحة وواقع قاس

رغم الظروف الصعبة التي عانى منها العراق منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الساحة الثقافية في البلاد تستمر باحتضان حراك إبداعي عاش فترات ذروة وانحدار. وأمام

+A -A
المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

رغم الظروف الصعبة التي عانى منها العراق منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الساحة الثقافية في البلاد تستمر باحتضان حراك إبداعي عاش فترات ذروة وانحدار.

وأمام تحديات مضنية، يطالعنا هذا الحراك وبشكل دائم على نتاجات تعود لفئة الشباب، لتكون حاملة هواجسهم وآراءهم ومعاناتهم وطموحاتهم.

وتختلف الآراء عن جدية تلك الأعمال الفتية، وقدرتها على مجاراة ماضٍ أدبي رفيع، حفلت به بلاد الرافدين من مطلع النهضة العربية الحديثة.

في هذا الإطار، رأى الكاتب العراقي حسين علي رهيف، أن ”جيل الأدباء الشباب في العراق ليس منقطعا عن جذوره، وليس بمعزل عن الأجيال التي سبقته؛ من خلال الاطلاع على نتاجهم والتأثر به“.

وقال رهيف لـ“إرم نيوز“: ”نحن نتحدث عن بلد متجذر في طين الكتابة الأدبية، وأخص بالذكر تأثير محمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، وجماعة كركوك الأدبية؛ ومنهم سركون بولص، وفاضل العزاوي، وغيرهم من الأسماء الشعرية، فضلا عن الروائيين والقصاصين؛ أمثال غالب طعمة فرمان، وفؤاد التكرلي.. فجيلنا الحالي يمثل امتدادا إبداعيا لتلك القامات“.

وأضاف، ”مازال النتاج الشعري غزيرا دافقا يبدأُ مصبه من بعد جيل التسعينيات؛ متمثلا في جماعة قصيدة الشعر الأدبية، ليظهر جيل ما بعد التغيير متطلعا لوضع بصمة خاصة تشكلها خطوط المحنة العراقية المنحنية حزنا، والمتماهية مع آثار وجع الحروب المريرة التي عصفت بشعب العراق خلال العقود الماضية“.

وتابع مؤلف ديوان ”ينطق عن الهوى“، أن ”شكل الوجع في هذه المرحلة المادة الأولية لشعر إسماعيل الحسيني، وسراج محمد، وفهد أسعد، وحسين الأسدي، وعبد الله النائلي، الذين تألقوا في القصيدة العمودية، إلى جانب شعراء أبدعوا في قصيدة النثر؛ منهم مهند الخيكاني، وعلي الياسري، وميثم راضي، ومحمد جميل، وزين العابدين المرشدي“.

2022-01-1-132

وأشار إلى أن ”مجموعة من الكتاب الشباب واصلوا الكتابة على الطريقة السيابية التي تعتمد التفعيلة شكلا منفلتا من إطار عمود الشعر؛ منهم حسن مجيد، وسامر سعيد، ومحمد عبد الكاظم، فنحن إزاء عدد كبير من الأصوات الشابة المبدعة التي ساهمت المهرجانات الشعرية الشبابية في الاحتفاء بمنجزهم الإبداعي محليا“.

وأفاد رهيف بأنه ”لم يستطع كل ذلك من تقديم مواهب أدبية كثيرة إلى الجمهور العربي، فضلا عن الوصول إلى العالمية، الذي يمثل أمرا أشد صعوبة، في ظل قلة الكتب المترجمة إلى اللغات الأخرى، وضعف اهتمام المؤسسات الثقافية بجانب مهم يمثل نافذة نحو العالمية التي يستحقها أدب هذا الجيل“.

تحديات

يقف أدباء العراق أمام جملة من التحديات؛ منها صعوبة الوصول إلى الجمهور العربي، على الرغم من وصول بعض الأسماء من نافذة برامج الشعر على الفضائيات العربية أو المجلات الأدبية العربية القليلة، وحصول بعضهم على جوائز عربية.

وحسب الروائية والإعلامية العراقية مروة جعفر الخفاجي، يبدو أن تحليل النتاج الأدبي المعاصر يحيلنا إلى ارتباط نفسي بين البشر والبيئة المحيطة، من خلال النتاج الأدبي، إذ يظهر الترابط الوجداني بين الآداب والمشاعر الإنسانية جليا من خلال انعكاسات السلوك البشري في التعاطي مع الإنتاج، من خلال التذوق الفكري والفائدة الحياتية واكتساب المهارات وإشباع الميول الذاتية نحو حب الاستطلاع والتعلق بالجديد.

وقالت الخفاجي (27 عاما) لـ“إرم نيوز“، إن ”ملامسة العمق الإنساني في المتلقي، من خلال القصص والروايات والقصائد التي تتحدث عن معاناة البشر وآلامهم ومتاهات التفكير السلبي، يطرح أسئلة عدة؛ فإلى أي مدى يعكس الأدب الواقع الاجتماعي، وما هي أبرز التحديات والعقبات أمام احتراف الكتابة لدى الأدباء الشباب في العراق والعالم، وهل يستطيع الأدب توفير معطيات كافية لدراسة واقع المجتمع واستشراف مستقبله“.

وأضافت، ”قمنا بدراسة استطلاعية بين قراء من مستويات مختلفة، للإجابة عن هذه التساؤلات، وكانت الإجابات متشابهة نوعا ما في جانب، ومختلفة في جوانب أخرى، ولعل سبب الاختلاف هي نظرة البعض الإيجابية الرامية إلى ضمان سير المركب“.

2022-01-2-42

وأشارت مؤلفة كتاب ”الوداع الفاخر“، أن ”بعض القراء يصف أدب الشباب بالكثرة غير الموزونة وسط ركاكة وسطحية ولغة رديئة، ويعزون ذلك إلى عوامل عدة؛ على رأسها ضعف الرقابة وقلة النقاد المحترفين“، لافتة أن ”بعض القراء يرى أن الانفتاح الذي يشهده العالم اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي أتاح لكثيرين شهرة بين ملايين المتابعين، بضغطة زر، فأصبح هم الكاتب أن ينشر ويغذي اسمه بعناوين رنانة دون التركيز على المحتوى“.

وأفادت بأن ”كثيرا من القراء يرى أن أزمة الأدب تعود إلى الدخلاء عليه، كما باقي ميادين الحياة، وقد يسهم دخولهم المجال الأدبي في تحوله إلى مثلبة كبيرة“.

واعتبرت أن ”أدب اليوم يحتاج إلى توظيف ملكة النقد الكامنة التي قد تشتعل للغوص في تفاصيل الأعمال الأدبية وفتح مسارات سلوكية للمنافع التي يعكسها العمل الثقافي في دروب الحياة“.

وذكرت أن ”نسبة من القراء تعزو قلة النتاج الإبداعي الفاخر، لدى الشباب العراقي، إلى ضعف الدعم الرسمي والإعلامي والمادي، وأن بعض القراء يعزون ضعف النتاج الأدبي إلى سياسات الحكومات المتعاقبة وعدم قدرتها على رسم خطط بنيوية تسهم في تطوير نتاج الثقافة من خلال المؤسسات التي ترعاها الدولة“.

وأشارت الخفاجي إلى ”تحلي كثير من كتاب العراق الشباب بالطموح والمثابرة والتميز والميل للتحدي، ما أفرز فئة نجحت في فرض نفسها بقوة في الساحة الثقافية“، منوهة إلى أن ”المستوى الثقافي للشباب في تقدم ملحوظ، وعلى الرغم من ظروف العراق الصعبة، فهناك قامات أدبية قدمت نتاجا رفيعا، وهي بحاجة إلى رعاية ودعم رسمي“.

حراك ثقافي

وقال الكاتب العراقي إبراهيم رسول، إن ”الشباب اليوم يؤلفون كتبا، ويبدعون في المجال الأدبي؛ شعرا ونثرا، وأصبح الانكباب على الثقافة والأدب حالة ملحة، تفرضها الحياة العامة، فنراهم يواظبون على قراءة الكتب، والتسابق إلى النشر في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، كل هذا يدل على حراك ثقافي يعيشونه، أو ما يطمحون إليه من غايات سامية“.

وقال رسول (28 عاما) لـ“إرم نيوز“، ”لعل المواضيع الأدبية التي يشتغل عليها الشباب العراقي في معظمها مواضيع حداثوية؛ مثل قبول الآخر، وفلسفة الأنسنة والعلمانية والدين وغيرها، إذ أصبحوا يتحلون بالجرأة أكثر من الأجيال السابقة، بحكم تطور الحياة وانفتاح ظروف الظهور والانتشار“.

2022-01-33-36

ورأى رسول أن ”الأدب الشبابي تحول إلى ظاهرة ملموسة وناضجة عند كثير من أدباء العراق، مع تحري القضايا الشائكة والمواضيع المحظورة ومناقشتها دون أي خوف أو وجل من عين الرقيب“.

وأشار إلى أن ”أعمال الكتاب الشباب باتت موئلا لتلاقح حضاري ومزيج ثقافي، إذ انعكس الاطلاع على ثقافة الآخر على نتاجهم الإبداعي، فأضحى أدب الشباب صورة ناضجة، تُعنى بالحياة والجمال والفن؛ هو أدب ناضج بحكم الكم المعرفي الذي وصلهم، فامتزج مع مخيلاتهم الطموحة، وتحول إلى صورة ناصعة معنية بالجمال والإبداع“.

إلى ذلك، بات مألوفا أن نلمح في نتاج الكتاب الشباب السردي نزعة خطاب ”حداثوي“، ينادي بحب الحياة، وينتصر لكرامة الإنسان، ويواكب في الوقت نفسه تقنيات حديثة مكنت المواهب الشابة من السير في درب الإبداع بيسر وسهولة.

وكان لتدفق المعلومات من خلال التقنيات الحديثة بالغ الأثر في التوجه الجديد للشباب، وسط سهولة الوصول إلى أي معلومة، ما أفرز أعمالا امتازت بعالمية الفكرة وإنسانية الطرح؛ على غرار رواية رسول التي عَنونها ”خفافيش كورونا“ وناقش فيها تبعات الوباء العالمي.

وأمام تلك التحديات المضنية والواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتردي، يبقى الأمل معقودا على جيل الشباب، لرفع سوية الثقافة في بلدهم العراق، والمشاركة الفعالة في تنميته وتطوير أفراده، بإيمان راسخ بتنا نشهده ماثلا في كتب ناجحة أصدرها مبدعون شباب دافعهم الإصرار على الارتقاء بوطنهم.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك