ثقافة

"آخر التموزيين" العراقي عادل الياسري.. تجربة شعرية مشبعة بالرمز والأسطورة‎
تاريخ النشر: 03 أبريل 2021 5:15 GMT
تاريخ التحديث: 03 أبريل 2021 8:15 GMT

"آخر التموزيين" العراقي عادل الياسري.. تجربة شعرية مشبعة بالرمز والأسطورة‎

منذ بدأ البشر بقرض الشعر ارتبطت الأسطورة بشكل جلي بنتاجاتهم الأدبية، لتتحول إلى حامل لرؤى المبدع وأفكاره ورسائله المبطنة. واستخدم الشعراء الأسطورة لدواعٍ جمالية

+A -A
المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

منذ بدأ البشر بقرض الشعر ارتبطت الأسطورة بشكل جلي بنتاجاتهم الأدبية، لتتحول إلى حامل لرؤى المبدع وأفكاره ورسائله المبطنة.

واستخدم الشعراء الأسطورة لدواعٍ جمالية أغنت النصوص الشعرية ومنحتها عمقا لافتا، في حين لجأ إليها كثير من شعراء الحداثة، ليتواروا خلفها ويبثوا من خلالها ما عجزوا عن التصريح به.

جماليات الأسطورة

وارتبطت تجربة العراقي عادل الياسري، بالأسطورة، منذ بداياته الشعرية، فجاءت عناوين دواوينه متقاربة، تجمع بينها أسطورة الوردة بما تحمله من جماليات فنية، ولتجسد هذه الأسطورة -من ناحية أخرى- أهدافا رمزية غنية تتمثل في الانبعاث والانبثاق، وتصبح تعبيرا رمزيا عن دم الإله الشاب دموزي (تموز/أدونيس) وتجسد قناعة راسخة بأن الورد لن يموت، بل يتجدد ويتحول من حالة إلى أخرى.

وموت الإله ثم قيامته، من العقائد المتأصلة في حضارات ما بين النهرين المتعاقبة، وأبرز أولئك الآلهة الذين ينبعثون من موتهم في مواسم الأعياد كان الإله دموزي، ليتحول يومه السنوي إلى مناسبة خاصة للرثاء والبكاء.

وبالعودة إلى نتاج الياسري الأدبي، نرى ارتباطه الوثيق -وهو سليل حضارات العراق- برموز التراث والميثولوجيا، ليحول الآلهة والربات إلى مواضيع شعرية معاصرة غنية بالإسقاطات المعاصرة.

2021-04-ورد-محمل-بالمطر،-غلاف

يقول الشاعر في قصيدة ”أصابع حباتها المطر“:
”أنثني عن سفر/ تأخذني الأيام به/ لأمكنة تكسر الخوف تحت ظلالها/ اشتبك القطا والأصابع/ علَّ في أطرافها ملح الليالي/ أو زهرة تلألأت حبَّاتها أول المطر/ انبجس النهر عن زائر/ عن ظل تتوسطه الأريكة/ الباب/ بللت الشمس رأسه/ للنجم الذي أحببت/ نقشا سومريا تزخرفه الحاءات/ نايا على الوجه/ خمرته توهجت/ للنجم الذي أحببت/ ليس من شبه/ مرآته الماء“.

”ورد محمل بالمطر“ هو الديوان السادس للشاعر، بعد إصداره لدواوين اقترنت عناوين معظمها برمز الوردة، وهي ”لن يموت الورد“ عام 2003، و“للورد.. وأنت“ عام 2011، و“الورد دموعه ملونة“ عام 2013، و“وردتها عرس الفراشات“، وآخرها ديوان ”أنامل الأمكنة“ عام 2020، الذي خرج به عن سلسلة الورد لأنه ضم قصائد الأسفار في البلدان العربية والعالمية، وله ديوان قيد الطبع بعنوان ”الوردة عسل الأنثى“.

ويذكرنا انحياز الياسري لأسطورة الإله تموز، بالتجربة الثرية لمن أطلق عليهم المفكر جبرا إبراهيم جبرا مصطلح ”الشعراء التموزيين“؛ ومنهم بدر شاكر السياب وخليل حاوي وأدونيس ويوسف الخال، الذين استنكروا خراب الواقع المعاصر، وانحازوا إلى ضرورة الهدم، لخلق فرصة لإعادة الانبعاث من الرماد.

ويرى الباحث الجزائري بغوس سامية، في كتابه النقدي ”أسطورة الانبعاث عند أدونيس“، أن ”استلهام هذا الرمز التموزي شكل الخلاص الأنجع للشعراء، على غرار المسيح وطائر الفينيق ومسميات تموز المختلفة تبعا لاختلاف الحضارات التي تبنته“.

يقول الشاعر الياسري في أولى قصائد الديوان، التي عنونها ”أبواب تغادر الطارقين“:
”خوف هو الآن/ الورد يكابد/ شاعر يرسم الحب/ الأبواب اهترأت عتباتها/ غاب الطارقون عنها/ الفتيات تتلصص الدرب/ هل عاشق تاهت بصيرته/ ولاذ بصوت الفؤاد مطوّحا.. الأسى وهج/ والحمام الذي رق هديله/ أنّاته ترسم الحزن“.

وتتواءم أساطير الانبعاث والتجارب القاسية التي عانت منها المجتمعات العربية، من حروب وغربة وتشتت، لتترجم الميثولوجيا مآلات الواقع المر، وتتحول إلى ملاذ يلجأ له الأديب المعاصر لتجاوز خيبات العصر الراهن، على غرار لجوء السومريين والبابليين إلى الماورائيات والغيبيات.

يقول الشاعر في قصيدة ”ارفع الكف عن كتفي“:
”خرساء/ تاهت حروفي في مفاتنها/ كلمني البرج/ فكت النافورة الرمز/ وشوشت الماء عن شجر الحروف/ لوحت غربتي لسيدة/ لاذت حرارة المدن الآسيوية بها عن لسعة البرد/ حاورت (ريتسوس) الذي يرافقني/ عن باريس التي غنيتها/ وسيدة أرهقها البحث في حقيبتي عن لبن العصفور/ عند ارتجاف الأصابع، وانثيال المسافات رذاذا/ بين غربتها وأحجار بابل/ ارتمت دهشة بين عينيه/ ناولني الكأس أغنية/ بدد الغرباء غربتهم فيها/ اقتسموا الصمت خبزا/ خلت المفازات من أشجاره“.

2021-04-عادل-الياسري-1

ولا يغفل المتابع لأشعار الياسري جنوحه للمغامرة، ليضع القارئ أمام تحدٍّ يختبر ثقافته وسعة اطلاعه على مجريات الأحداث الراهنة، كما خفايا القراءات التاريخية. يقول في قصيدة ”باكو“: ”لحظة الصمت جاورها الذهول/ الفراشات صبايا/ في الليالي الحالكات بالشجر/ مرايا المساءات تنسى لحظة العشق/ أن الذي بين كفيها صبي لم ير المشهد الأسطوري لسيدة/ دثر النخل اغتصابها/ البساتين تنكفئ/ المساءات مثقلة بالعصافير/ حيث الغرباء يرتادون المراقص/ والبحر ثغر تلونه العيون“.

أنسنة الماء

وتكاد قصائد الديوان لا تخلو من رمزية الماء ودلالاته، ليتحول إلى حالة عميقة الدلالة، فهو المساند والمعاضد، يؤنسنه الشاعر ليستند إليه ويحمل عنه جزءا يسيرا من أحماله العتيدة، حزنه وهلعه وهواجسه، هو المواسي في المواجع والمرادف للبكاء البشري السخي.

يقول الشاعر في قصيدة ”نار الندى“:
”سلخ الخائبون جلودهم/ وارتدوا دمعهم ثيابا/ يوارون بها سوءات أسمائهم/ أغطية التراب احتضنت أكفانها/ عناوين للكتب الخبيئة/ الفهارس فيها جداول للماء/ لاكها الحصى ثمرا للحجارة/ تناسلت قشوره تحت العناكب/ احتمى العوسج ظلا/ في ثوب زانية نقر العصفور صحنها/ قصب/ فزَّز الماء ندَّت شهقة/ وسادة شراعها الريح نجمتها الظهيرة“.

ويضيف: ”بين المياه وأرجل الأيام تاهت هواجسها/ النهارات مطفأة من هجرة بين الضفتين/ الماء يغسله الحصى/ كأس على الكرسي/ ظلال على الأفنان لأجساد العابرات/ استحت النار من الندى/ احتست عريها القبرات لما رأتها/ يسبح الظلام في عيونها/ التفتت لصوب لست فيه/ أوحشتها البساتين فيها الظهيرة/ مسحت صور النخيل عن ظلالها/ الماء تكسرت جدرانه على الحجارة/ عند كف لم تخن لونها/ أو تصد عن شجر به الخبز استضاف ناره“.

عالَم من المرايا

ونشهد في قصائد الياسري الخوف والهلع، جنبا إلى جنب مع الخيال والجمال، متجسدا في رمزية المرايا، لنشرف على العالم من زاوية خاصة، تأخذ فيها المرآة دور البطولة، فتبرز كرفيق يبعث سحره على الأرق والحزن، على الرغم من دلالاتها الصوفية المرتبطة بكشف المستور. يقول الشاعر في قصيدة ”الوهم“: ”الماء يغسل سرَّتي/ تنكفئ المرآة/ عن شمس/ ليس يقلقني/ أنها تسرد الصمت/ النجمة الأولى/ استحمّت برأسي“.

صناعة الجمال

وفي حديث خاص لـ“إرم نيوز“؛ قال الياسري إن ”ديوان (ورد محمل بالمطر) يشكل انعكاسا لتجربة من التفاعل بين الخاص والعام، وتجسيدا للترابط بينهما، إذ وظفتُ عديدا من مجريات المعاناة الشخصية للتعبير عن علاقتها بالمعاناة الشاملة وبالعكس“.

وأضاف: ”سلكت مع الحلم الشخصي المنوال ذاته، وأرى أن الشاعر مرآة وظيفتها الأساسية رصد الظواهر والصور اليومية واستثمارها في عملية صنع الجمال بألوانه، وإشاعته للآخر ليتفاعل معه ويستمتع بما يحمله ويجسده من الصور“.

وتابع: ”أتماهى في قصائدي مع الحداثة في الشعر وفي الحياة معا، فهما يتماشيان مع ديالكتيك الحياة وتطورها“.

ديوان ”ورد محمل بالمطر“ من إصدارات دار ”تموز/ديموزي للطباعة والنشر والتوزيع، العاصمة السورية دمشق، ط1، 2021، ويضم 17 قصيدة من الشعر الحر، ويقع في 110 صفحات من القطع المتوسط.

الشاعر في سطور

عادل الياسري، شاعر عراقي يبلغ من العمر 71 عاما. عضو الاتحاد العام للأدباء العرب، واتحاد الأدباء في العراق. عضو النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين. شارك في فعاليات أدبية عدة حول العالم؛ في فرنسا والسويد والدانمارك وهولندا وبلغاريا. تناول أعماله الأدبية عديد من النقاد وحاز لقب ”شاعر الورد“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك