ثقافة

في رواية جبل المجازات لأحمد كامل.. واقعية سحرية تجسد عجز الإنسان‎
تاريخ النشر: 19 مارس 2021 10:32 GMT
تاريخ التحديث: 19 مارس 2021 11:45 GMT

في رواية جبل المجازات لأحمد كامل.. واقعية سحرية تجسد عجز الإنسان‎

يستخدم الروائي المصري أحمد كامل مكونات الطبيعة بمختلف أشكالها، في تعريفه للعجز الإنساني، وخضوعه للتقلبات بين الواقعية والخرافة في رواية "جبل المجازات" الفائزة

+A -A
المصدر: حسام معروف -إرم نيوز

يستخدم الروائي المصري أحمد كامل مكونات الطبيعة بمختلف أشكالها، في تعريفه للعجز الإنساني، وخضوعه للتقلبات بين الواقعية والخرافة في رواية ”جبل المجازات“ الفائزة مؤخرا بجائزة يحيى حقي 2021.

انطلاق الرواية يكون في المشهد الصحراوي الشاسع، الممتلئ بالضجر والفراغ، حيث يتجرأ شخص نحيل، ضئيل الجسد ليقود جيشا من أشجار النخيل، مهاجما قرية صغيرة نائية، تحمل بشكل يحمل الرمزية إلى الضعف، قرية الغزالة، فلا يتحقق من هذه الهجمة إلا سحق البيوت، وقتل النساء، وهرس الأطفال، وتكسير همم الرجال، ويمتد هذا الطغيان إلى رخام المقابر حتى، والموتى الراقدين.

بهذا المشهد الاستفزازي المهول الذي تكشف الرواية عنه، بما تحمله أدوات التشويق، أعطت البداية إشارة إلى رحلة روائية مثيرة، فيما بعد.

ويقدم الكاتب على إدراج استثناء يزيد من الشغف والتفكير، حين يأمر قائد الجيش، جيشه بألّا يمسوا عائلة واحدة فقط، دونا عن بقية القرية. وهو ما يفتح الباب أمام المزيد من التورط في تفاصيل العمل، ويشحن الفضول لاستكشاف المزيد.

تصفيف المشاهد

في الرواية لغة نشطة متحركة، ممتلئة بالجمال واللمعان، حيث الصياغة المستفزة للتأمل، والمشاهد المتقنة في التركيب والتوصيف، ما ينم عن دراية عالية من الكاتب في تصفيف مشاهده، وتخليق الروابط بينها.

حيث حمل النص الروائي لديه بداية تأخذ شقا من عنوانه“جبل المجازات“ فكانت البداية جبلية عنفوانية، وهو ما يحتاج من الكاتب من بعد قدرة عالية، ليتمكن من الحفاظ على مستوى السرد، بحيث لا ينحدر من ناحية الحدث والخيال واللغة. فقد تكون البداية التقديمية للرواية، وتدريج توتر الأحداث أمرا أكثر أمانا للروائي.

ويستخدم الكاتب في السياق الدرامي السردي، اللهجة المصرية العامية في مواطن متعددة، مشتملة على كلمات غريبة غير متداولة، ولربما يكون هذا الأمر مستساغا للبعض، ومنتقدا عند الآخر، لكن مسار اللغة عند كامل، كان أشبه برجل عملاق يتحكم بشخصيات الماريونيت.

العودة للماضي

المشهد الأولي للرواية، يأخذ التوقعات إلى مستقبل قرية الغزالة، بعد عملية التدمير، لكن الكاتب أحمد كامل، على نقيض التوقع، يرجع بالزمن إلى الماضي، ويسجن كافة الأحداث فيه، ويستخدم الذاكرة والمخيلة في قيادة مسار الأحداث من بعد. وفي هذا الإطار تتجسد مشاهد محملة بالذكريات والحنين وسحب ذيول اللحظات المسجونة في الماضي.

من أجواء العمل: كانت النخلات تتقدم وتتراجع، تحاصر وتبيد، ترفض ترك أحياء من أبناء جبل، وركضت نخلات وراء الفارين تجاه الشمال في الصحراء المكشوفة لإنجاز ما أمرت به، بينما قبعت نخلات أسفل أشجار توت وبرتقال في الجنائن المحيطة بالبيوت، محاصرة هاربين مختبئين بين الغصون، قبل أن تبدأ في قصف الجذوع، والانفراد على مهل بالأجساد التي هربت أرواحها قبل لحظة المواجهة.

 

2021-03-6654

هلكت القرية تماماً مع أضواء الصباح، وانسحبت النخلات إلى الغرب من جديد يتدحرجن على مهل، كسرب نساء عائدات من النبع بجرار مُتخمة، ويحملن البشارة إلى الضئيل، الذي تملى بنظرة أخيرة صنيعة الجيش، قبل أن يبصق على جهة القرية. التفت يميناً ومضى ببطء، هبط من فوق درجات الرصيف وأكمل السير فوق قضبان السكة الحديد من بين النخلات العائدة، والنخلات يتوقفن أمامه لبرهة أو يلتففن حول موضعه، يعبرن القضبان ويتراصصن في صوف متتالية فيما وراء المحطة خلال الصحراء“.

نزعة نقدية

إن ما يميز سرد كامل، في ”جبل المجازات“ قدرته على المزج بين الواقعية، والتخييل، من خلال استدعاء الحدث المأخوذ من الشارع، وربطه بالأسطورة والقناعات الاجتماعية، بشكل نقدي، يضيء على التكوين البشري، وضعفه وخضوعه في الكثير من الأحداث، التي يرهن فيها المرء مصيره للقدر. كما ويمزج كامل القصص الصوفية وامتلائها بالغرابة، وبعدها عن سياج العقل البشري.
هذا النوع من المحاكاة، يستند على مساحة هائلة من المكونات، مشتركة بين طين الإنسان، والطبيعة بكافة مكوناتها. ولربما كان مشهد الصحراء رمزا للمساحة المفتوحة من الأفكار، التي يستخدمها الكاتب في نصه.

أدوات مسرحية

ويستفيد كامل من أدوات المسرح في حبك وترتيب مشاهده، حيث الاعتماد على الإضاءة والاعتام على المشاهد، والزوايا المتعددة لإبراز مساحة ما من قناعة، أو عرض قناعة كاملة، ومسح وإلغاء أخرى. كما ويستخدم الكاتب الستائر بشكلها الرمزي، ليخفي المشهد كاملا، عن المتلقي، ويعرض ما يحلو له بعد ذلك. فيما يتلاعب كامل في العباءة الزمنية التي تلتف بها الأحداث، فما بين المزج بين الحاضر والماضي، كشف ورقة أحدهما تارة، وإخفاء الأخرى، والعكس كذلك، تتحرك الأحداث، وكأنه مصمِم بصري.

ملاحقة صدفة

شخصيات كامل مصنوعة من شجر النخل، الذي كان أساسا لصنع كل شيء كما يرى، وتقتات شخصيات الرواية على القسوة والانكسار والجبر، والخوف والحلم والأمل، والعجز، والقيد، وعلى الصراخ والصمت، كل هذا جبله الروائي في سرده، مقدما شرائح مختلفة من أفكار البشر وكيفية دمجها في لعبة بازل معقدة.

الشخص الضئيل الذي يتم تسخير النخل كجيش له، لربما هو المجاز الأعظم الذي يبنى عليه التأويل، لربما هو الهاجس، ولربما القناعة التي تدفع الإنسان للتحرك نحو المجهول. وهذا ما كان يُرى في ”جبل المجازات“ حيث يمكن الشعور للحظة بأن الكاتب كان يلاحق صدفة، أو أحجية، هو بحاجة إلى تفسيرها أيضا، وكانت اللغة هي نقاط الأثر، التي تجلعنا نقتفي أثره لا أكثر.

نافذة الحاوي
وبما تحمله الرواية تجريبية عالية، من خلال غرابة تكوين الشخصيات، وكذلك الأحداث، وبناء السرد على التداخل بين الأزمان، وخلق فجوة بين المتلقي والسرد، ولغز بحاجة للفهم، فإن هذا النمط من الواقعية السحرية، المطل من نافذة الحاوي، يحتاج قدرة كبيرة لدى الكاتب والقارئ أيضا، للإمساك بالحدث جيدا. تكنيك أحمد كامل هنا، يستحضر ماركيز، فكان يحرك شخصياته ويبني أحداثه، ويخلط أزمان العمل، بهذا النهج من الغرابة.

 

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك